مِن أين كان يأتي زوجي بِكل هذا المال؟

سألتُ نفسي مراراً بعدما أكتشفتُ حقيقة ما يجري، عن تأثير التربية التي نتلقّاها وأرتداداتها على حياتنا وتصرّفاتنا. فما يكون غير جائزاً عند هذا، يكون أمراً طبيعيّاً عند ذاك.

أتكلّم عن زوجي وعائلته، الذين مشوا على مفاهيم خاصة لهم بعيدة عن أبسط القيَم الأخلاقيّة المعترف بها. يا ليتَني انتبَهتُ للدلائل التي كان بإمكانها تجنّبي الارتباط بهكذا شخص ولكنّني كنتُ مفتونة بإطلالة وائل السحريّة وقدرته على جذب كل مَن التقى به. ولكن للأسف كان كل شيء بالنسبة له مباحاً. وكان عليّ التشكيك بأمره وبأمر عائلته بِمجرّد أنّهم كانوا يعيشون بِرخاء رغم وظائفهم المتواضعة، ولكنّني ردَدتُ الأمر إلى ميراث ما حصلوا عليه مِن أحد أقربائهم أو شيئاً مِن هذا القبيل.

وخلال كل فترة تواعدنا كان وائل يصرف الكثير مِن المال على غدواتنا وعشواتنا، والهدايا الجميلة التي كان يجلبها لي ولأهلي. ومثل أي فتاة أخرى سُرِرتُ أن رجل حياتي يتحلّى بالكرم والمدخول الوفير ولم أحاول فهم طبيعة المصدر.

وتزوّجنا وصَرَف زوجي مبلغاً طائلاً على معازيمنا وأفتخرتُ به طبعاً وتصوّرتُ أنّ باقي حياتي سيكون مثل بداية مشوارنا. ولكن سرعان ما رأيتُ الواقع المرير أمام عينيّ. فبعد أقل مِن شهر جاء وائل وقال لي:

ـ حبيبتي… عليكِ الإنتباه قليلاً على المصروف… لم يعد هناك مِن مال.

ـ ماذا تعني؟

ـ أعني ما قلتُه… لم أعد أملك شيئاً… صرفتُ كل ما أملك على الزفاف.

ـ ماذا؟؟؟ أعني… أنتَ مكتفئ ماديّاً… أليس كذلك؟ لطالما صرفتَ الكثير عليّ وعلى مشاويرنا.

ـ أجل ولكن لم يعد هناك شيء… لا تخافي سأجلب المزيد قريباً.

ـ لم أفهم قصدكَ… تعني مِن راتبكَ؟

ـ ها ها ها… مِن راتبي؟ أنا مجرّد موظّف بسيط… لا عليكِ… المهمّ الآن أن تنتبهي على مشترياتكِ.

وأنهى الحديث دون أن أفهم ما عنى بِ” سأجلب المزيد قريباً”. ولم أفكرّ أبداً أنّ الوضع خطر أو غير قانونيّ لأنّني لم أرَ يوماً زوجي يقوم بأعمال محظورة. وبعد أسبوعَين على حديثنا، أخبرَني وائل وهو يقدّم لي سواراً جميلاً أنّ المرحلة الصعبة مرَّت على خير وأنّ الأمور عادَت إلى ما كانت عليه. عندها اطمأنّ قلبي وتابعتُ حياتي بِشكل طبيعيّ. وأقمنا حفلة أو أثنتين وخرجنا شبه يوميّاً إلى أجمل الأماكن ومِن ثمّ أخبرَني زوجي بأنّ المال نَفَذَ مرّة جديدة. عندها لم أتردّد على سأله:

ـ ما الأمر حبيبي؟

ـ لا شيء… لا تشغلي بالكِ فزوجكِ يعلم كيف يتدبّر أمره.

ـ هذا ما أريد معرفته… كيف تتدبّر أمرك؟

ـ سأقول لكِ ولكن ايّاكِ أن تتفوّهي بِكلمة لأيّ كان!

ـ أعدكَ بذلك… هيّا تكلّم!

ـ لدَيّ أصدقاء… وأحياناً يطلبون منّي ان أسدي لهم خدمات ويدفعون لي مقابل ذلك الكثير مِن المال!

ـ خدمات… مِن أي نوع؟

ـ أشياء لا يريدون القيام بها بإنفسهم.

وخرجَ وائل مِن الصالون ممنوناً بِنفسه. وكنتُ قد أدركتُ أنّ زوجي يقوم بأمور غير مشرّفة دون أن أعلم طبيعتها بالتحديد. ولم تغمض لي عَين في تلك الليلة وبقيتُ أنظر إليه نائماً بِقربي محاولة معرفة هويّة ذلك الرجل الذي لم أكن أعلم عنه شيئاً.

وفي الصباح قرّرتُ أن أحصل على الأجوبة التي احتجتُ إليها لأكمل حياتي مع وائل. وهذا ما قاله لي حرفيّاً:

ـ أصدقائي… هم أناس أغنياء وأقوياء… تعرّفتُ إليهم منذ سنين عديدة وارتبطتُّ بهم بسبب المنفعة التي أحصل عليها مِن أعمالهم العديدة… ويطلبون منّي أن أتكلّم مع الذين تديّنوا منهم ولم يرجعوا ما يستحقّ عليهم… أنّه عمل بسيط… أذهب إليهم وأقنعهم على طريقتي… وحتى اليوم لم يُتعبني أحد… لدَيّ أساليبي.

ونظرتُ إليه بِدهشة فائقة ليس فقط على الذي قاله بل الطريقة التي أستعملها لإخباري. كان وكأنّه يروي لي حادثة بسيطة حصَلت له خلال يوم عاديّ في المكتب. حينها سألتُه:

ـ وهل… هل تستعمل القوّة معهم؟

ـ هذا يتوقّف عليهم… أحياناً يدفعونَني إلى أستعمال يدَيّ أو أي شيء يكون بين بحوزتي.

وجلستُ ساكتة أنظر أمامي وأفكّر بالمصيبة التي أوقَعتُ نفسي بها. عندها قال لي وائل:

ـ لن تخبري أحداً… أليس كذلك؟ وإلاّ سأغضب منكِ… وكثيراً.

ـ لا… لن أخبر أحداً ولا داعي للتهديد… فالموضوع غير مشرّف ولن أتباهى بهكذا زوج.

ـ ماذا؟ تقلّلين مِن شأني؟

ـ لا… بل أنتَ تفعل.

وتركتُه لوحده ودخلتُ المطبخ لأبكي. ومنذ ذلك اليوم تغيّرَت حياتنا لأنّني لم أعد قادرة على العيش مع زوجي أو صرف قرش مِن المال الذي كان يجلبه بعد أن علِمتُ كيف يجنيه. خطَرَ على بالي أن ألجأ إلى أهلي على الأقل للنصيحة ولكنّني خفتُ أن يعلم وائل بالأمر ويؤذيهم فكبتُّ حزني واستنكاري. وتأكيداً لِمخاوفي قال لي زوجي في إحدى الأمسيات:

ـ تعالي حبيبتي… أريد أن أريكِ فيديو ظريف.

 

وحين جلستُ قربه فتح هاتفه وأراني شريطاً مصوّراً يظهر فيه وهو يبرح أحداً بالضرب. ضحِكَ ثم قال لي بِجديّة:

 

ـ هذا ما يحصل لِمَن يغضبني.

 

وكانت الرسالة واضحة. وكي لا أبينّ له مدى ذعري ضحِكتُ بِدوري قائلة:

ـ أحسنتَ حبيبي… لا يجب أن تغضبَ أبداً… لا يليق بكَ سوى الفرح.

 

وحين أنهيتُ كلامي تحجّجتُ بأنّ لدَيّ أعمال أنهيها وركضتُ إلى الغرفة. ومِن تلك اللحظة بالذات تحوّل حبّي لوائل إلى خوف منه ولم يعد في بالي إلاّ فكرة الرحيل بعيداً عنه.

بدأتُ آخذ حبوباً لِمنع الحمل خوفاً مِن أن يأتي مولود إلى عالم زوجي القبيح. فعندما تساءَلَ وائل لِما لم أحمل بعد تذرّعتُ بأمّي التي بقيَت مِن دون أطفال حوالي السنَتين وأقنَعتُه بأن الأمر على ما يبدو وراثيّ. والغريب في الأمر أنّ زوجي بقيَ يحبّني كما في اليوم الأوّل ربمّا لأنّه أعتقدَ أنّني مثله لا أرى مانعاً لِما يفعله وأنّني مسرورة بِطريقة جنِيه للمال.

وبعد مرور حوالي السنة لم أعد أطيق حياتي فأصبحتُ تارة مكتئبة وتارة قليلة الصبر لا أنفكَ عن التفكير بالمساكين الذين يقعون بين أيدي زوجي واصدقائه الذين يدفعون له ثمَن تخويفه للناس. وقرّرتُ أخيراً أن أبلغَ الشرطة عنه آملة بأن يرحل زوجي عنّي. ولكنّ وائل لم يكن غبيّاً وكان قد لاحظَ ارباكي الحاد صباح اليوم الذي نويتُ فيه الذهاب إلى القسم. فكل شيء كان يدل على ما كنتُ سأفعله مِن يدَيّ التي لم تكفّ عن الرجفان وأنا أقدّم له أفطاره إلى عدم النظر إليه مباشرة.

فبعد أن خرجَ مِن المنزل وتأكّدتُ مِن رحيله ارتديتُ ثيابي وخرجتُ بِدوري وأخذتُ سيّارة أجرى. ولكن حين وصلتُ أمام القسم شعرتُ بأحد يمسكني بِذراعي ويصرخ بي: “ما الذي تنوين فعله؟”. ورأيتُ وجه وائل وعلِمتُ أنّه لن يسامحني أبداً. عندها وفي غضون ثانية تغلّبتُ على خوفي وغرستُ أسناني في يده وركضتُ كالمجنونة أحتمي وراء الشرطي الواقف أمام باب القسم.

صرخَ لي وائل:”أيّاكِ أن تدخلي!” ولكنّني لم أسمع منه لأنّني لم أعد قادرة على تحمّل العيش بِخوف مستمرّ. وحين قادوني إلى المحقّق أخبرتُه كل ما أعرفه عن زوجي. وبعد أن سجّلَ الرجل أقوالي قال لي:

ـ سنفعل اللازم ولكن عليكِ التواري عن الأنظار على الأقل إلى حين نتحقّق مِن صحّة التهمة ويتم القبض على زوجكِ ومحاكمته… هل لديكِ مكاناً آمناً؟.

سكتُّ لأنّني لم أكن أعلم أين أذهب خاصة أنّني لم أكن أريد توريط عائلتي. وتذكّرتُ أنّ لدَيّ عمّة تسكن في آخر البلاد لا يتذكّرها أحد بِسبب خلاف قديم وقعَ بينها وبين باقي العائلة. ولم آتي على ذكرها أمام زوجي يوماً ولن يخطر على بال أحد أنّني مختبئة عندها.

إتصلتُ بأمّي وقلتُ لها أنّني مسافرة مع وائل إلى الخليج وأنّني سأكلّمها حين أعود. هكذا لن يكون بِمقدور زوجي أن يعلم شيئاً منها. وبقيتُ في القسم حتى أن جاؤوا بِوائل وخرجتُ مِن باب ثانٍ. توجّهتُ فوراً إلى منزل عمّتي راجية أن توافق على أستقبالي. وتفاجئتُ بِسرورها على رؤيتي بعد أن غبتُ عنها سنين طويلة.

وبعد أسبوع خابرتُ والدتي بعدما أخبرَني المحقّق أنّ زوجي وراء القضبان وقلتُ لها أنّني بخير دون أن أطلعها على مكاني. وحكموا على وائل بِعدّة سنين حبس بِسبب ممارساته خاصة أنّ أحد ضحاياه وقعَ في ثبات عميق بعدما تلقّى ضربات عنيفة على رأسه.

ولكنّني لأخشى اليوم الذي سيُطلَق فيه سراحه. وحتى ذلك الحين أحاول أن أعيش حياة شبه طبيعيّة بعيدة عن الأنظار.