مَن كان يرسل لي الزهور اسبوعيّاً؟

عندما فتحتُ حساباً على الفيسبوك خصّصتُه للعائلة فقط وللتواصل مع أقربائي في المهجر. وكانت زوجتي قد أوصَتني مازحة: “إيّاك أن تفعل كباقي الرجال وتتعرّف على غيري!” ولكنّني لم أكن مِن هذا النوع أوّلاً لأنّني كنتُ أحبّ نصفي الآخر وثانياً لأنّني كنتُ أؤمِن بقدسيّة الزواج.

وبعد حوالي الستة أشهر وصَلني طلب صداقة مِن إمرأة مجهولة الهويّة: لم يكن لَدَيها صورة أو اسم شرعي بل لقَب “القلب الوفيّ.” وبما أن الحشريّة أمر طبيعيّ قرأتُ الأسطر التي كتبَتها وأحببتُ كلماتها المختارة بتأنّي. شَرَحَت لي ما كانت تريده منّي ولماذا: “مازن… لا نعرف بعضنا ولكنّني أتمنّى أن تضيفَني إلى قائمة أصدقائكَ… أعلم أنّكَ متزوّج ولَدَيكَ عائلة وأرى كم أنتَ سعيد معهم… لا أريد منكَ شيئاً صدّقني وسترى كم أنا صادقة معكَ… أكتب لي مِن وقت لآخر… أكتب لي كلمة أو أثنَتين… صبّح عليّ وأن كان لَدَيكَ الوقت في المساء أخبرني عن نهاركَ”.

فأضفتُ ” القلب الوفيّ” ونسيتُ أمرها حتى أن عادَت تكتب لي فتذكرّتُ أن ألقي التحيّة عليها. ومِن ثمّ بدأنا نتبادل الرسائل القصيرة ومِن بعدها الأطول. لم أستطع أن أعرف عنها الكثير بالرغم مِن أنّني أخبرتُها أنّني أملك محلّ ملبوسات النسائيّة والرجاليّة وأن لدَيّ ولعاً بشتّى أنواع الزهور والنباتات. وهي قالت لي أنّها عزباء وتعيش مع أمّها العجوز وأنّها مدرّسة.

لم أقل لزوجتي عن وجود تلك المرأة على حسابي لأنّ الأمر كان بالنسبة لي لا يستحقّ الذكر ولا لأنّني أرَدتُ أن أخفيَ شيئاً عنها فكما قلتُ حياتي الزوجيّة كانت ممتازة وكان هناك مناخاً مِن الثقة بيننا. ومع مرور الوقت أصبحتُ أنتظر بِفارغ الصبر أن تطلّ السيّدة المجهولة على الخاص وتفرحَني بِكلماتها الرقيقة وبدأتُ أشعر بِرابط بيننا وصَفتُه بالسليم والطاهر.

وفي أحد الأيّام وصَلَ إلى محلّي شاب يحمل باقة زهور وسألَ عنّي وقال أنّ أحداً اتصل بمحّل الورد وطلبَ منهم أن يوصلوا لي تلك الباقة. ورغم أسئلتي الملحّة أكّدَ لي أنّه لا يعرف أبداً مَن المرسل. وفي نفس اللحظة وصَلَتني رسالة مِن صديقتي تقول:

ـ هل أعجبَتكَ الزهور؟

وأجَبتُها أنّها جّد جميلة ولكنّني لا أريدها أن تتكبّد عناء أرسال أشياء لي خاصة أنّني لن أفعل ذلك مِن أجلها. وسألتُها طبعاً كيف علِمَت مكان محلّي فأجابَت: “الذي يسأل لا يتوه”. وأعترف أنّني ظننتُ أنّ أحداً كان قد دفعها إلى الإتصال بي والتكلّم معي بهدف المزّاح أو أختبار وفائي في حال كانت زوجتي صاحبة الفكرة. لِذا قرّرتُ أن أبقى على سياستي الأوليّة أي الحديث الرسمي مع تلك السيّدة وتجنَبتُ أي تقّرب بيننا.

ولكنّها وفي الأسبوع التالي أرسلَت لي نبتة جميلة جدّاً مع نفس الشاب الذي مرّة أخرى نفى معرفته بالمرسلة. أعطَيتُه بقشيشاً وركضتُ أكتب للمرأة: “شكراً جزيلاً ولكنّني لن أقبل منكِ أي شيء آخر بعد الآن”. أمّا هي فجاوبَت: “ولِما لا؟ فلستَ مجبراً على شيء… أهداؤكَ الزهور والنباتات يفرحني… هل تريد سلب الفرحة مِن قلبي؟ لم أخطئ معكَ؟”. وخجِلتُ مِن تصرّفي الفاظ واعتذرتُ لها بِحرارة. وبدأتُ أتلقى الورود أسبوعيّاً وأبقيها في المحل كي لا أضطر لِشرح الوضع لِزوجتي التي و رغم رحابة صدرها لن تستطيع حتماً تقبّل الأمر. فأي زوجة ستقبل أن تهدي امرأة أخرى زهوراً لِزوجها؟ وأصبح لدَيّ أسرار الشيء الذي لم أكن أريده أو أطيقه لأنّني كنتُ أعلم أنّ سكوتي يجعل منّي شريكاً بالذي يحصل مهما كنتُ بريئاً.

وبعد حوالي الثلاثة أشهر أصبح محليّ كغابة الأمازون لِكثرة الباقات والنباتات وحين أعَرَبَت زوجتي عن نيّتها في زيارتي في مكان عملي أسرَعتُ في التخلّص مِن كل ما قد يدّل على ما يحصل. ومِن كثرة خوفي في ذلك النهار قرّرتُ أخيراً أن أضَعَ حدّاً للسيّدة المجهولة حتى لو كلّفَني الأمر أنّ أكون قاسيّاً معها:

ـ رجاءً أن تكفّي عن أرسال هداياكِ لي… لن أقبلَها بعد الآن… آسف.

ـ ولكنّني لا أرى خطأً في ذلك يا صديقي.

ـ لا أريد أحداث مشاكل مع زوجتي ولا أريد أن يكون لدَيكِ أي أمل فيما يخصّني… كنتُ واضحاً منذ البداية… أحبّ زوجتي ولنّ أحبّ غيرها.

ـ كم هي محظوظة… لطالما كنتَ أنساناً نزيهاً.

ـ لطالما؟ ماذا تعني؟ هل تعرفينني مِن قبل؟

ـ أجل يا مازن… أعرفكَ جيّداً.

وأختفَت السيّدة دون أن تكمل حديثها. وبدأتُ بالبحث عن أي دليل يمكنه مساعدتي على معرفة هويتّها الحقيقيّة ولكنّني لم أستطع. وأنتظرتُ حضورها على الفيسبوك لمدّة طويلة ولكنّها لم تظهر مجدّداً. وخَطَرت على بالي العشرات مِن النظريّات عن كيفيّة معرفتها بي ولكنّني لم أصل إلى أي نتيجة مقنعة. ولم أتوقّع أبداً أن أرى صديقتي الغامضة تدخل محلّي بعدما فقدتُ الأمل مِن التواصل معها مِن جديد. ففي ذلك النهار جاءَت سيّدة جميلة وأنيقة وطلبَت منّي أن أريها قميصاً رجّاليّ. وبعدما أعطَتني المقاس واللون بدأتُ أفتّش لها عن مبغاها. حينها أخَذَت القميص ووضَعَته تحت عنقي وقالَت:

ـ أجل… هذا مقاسكَ… اليوم… كنتَ أنحف بِكثير فيما مضى.

نظرتُ إليها بدهشة وصرختُ:

ـ هذا أنتِ؟

ـ أجل…

ـ أين أختَفَيتِ؟ لقد أنتظرتُكِ يوم بعد يوم… هل أنتِ مستاءة منّي؟

ـ لا… لبل قرّرتُ أن أدَعَكَ وشأنكَ… لدَيكَ علاقة مميّزة مع عائلتكَ ولا أريد تدميرها.

ـ مِن أين تعرفينني… وما معنى كنتَ أنحف فيما مضى؟

ـ لقد نسيتني… لا بأس… لقد تغيّرتُ كثيراً… كنتُ فتاة آنذاك… أنا ريحاب.

ـ ريحاب…

ـ ريحاب حبّكَ الأوّل… كنّا لا نزال في المدرسة وكنّا نقضي وقتنا كلّه سويّاً.

ـ أجل أجل! يا إلهي! كم مضى مِن الوقت؟ 25 سنة؟

ـ تقريباً.

ـ وكيف تعرّفتِ إليّ أعنّي لقد تغيّرتُ كثيراً أنا أيضاً.

ـ مِن أسمكَ على الفيسبوك… ونظرتُ جيّداً إلى ملامحكَ فلا تزال تحتفظ بالبعض منها… كم كنتُ سعيدة بإيجادكَ!

ـ ولِما لم تفصحي عن هويّتكِ؟ أم أنّكِ أردتِ خلق بعض التشويق؟

ـ أبداً… لم أكن أريد أن تعرف مَن أنا لأنّني… أعنّي… لم أنسكَ… لقد سكنتَ في قلبي منذ صغري واحتَلتَ جزءً منه… أعلم أنّ حبّنا كان ولّاديّ ولكنّ عواطفي تجاهكَ كانت حقيقيّة.

ـ ألم تتزوّجي؟

ـ بلى ولكنّني طلقتُ زوجي بِسرعة فلم يكن وفيّاً لي… لِذا لم ولا أريد أن أسبّب لكَ المشاكل مع زوجتكَ لأنّني أعرف معنى الغيرة وألآمها… سأرحل الآن ولن أعود… أعدكَ بذلك.

وخرجَت بِسرعة ولم أستطع أبقاءها. وبعدما رحَلت أخذتُ أتذكّر تلك الحقبة مِن حياتي حين كانت ريحاب سبب ذهابي إلى المدرسة. كنتُ جدّ مغروم بها وحزنتُ كثيراً عندما تركَت المدرسة لِتذهب مع أهلها إلى مدينة ثانية. حاولتُ آنذاك معرفة مكانها ولكنّني لم أستطع ونسيتُها مع الوقت ولكنّها عادَت وفتحَت صفحة مِن حياتي كنتُ قد طويتُها وأعترف أنّني شعرتُ وكأنّني عدتُ ذلك الصبيّ المتيّم.

وحين وصلتُ البيت بعثتُ لها بِرسالة أرجوها فيها أن تعود. لم أكن أتحمّل فكرة فقدانها مِن جديد. فكانت التي ترحل دائماً وتتركني دون خبر منها. ودام أنتظاري. كنتُ أرى أنّها قرأت رسائلي ولكنّها لم تجب ولو مرّة واحدة. وشعرتُ أنّني لم أعد أحبّ زوجتي ولم أعد أريدها وكأنّها تقف بيني وبين حبّي الضائع فأصبحتُ ضيّق الأخلاق أصرخ فيها وبالأولاد. وبتُّ أبقى أطوَل وقت ممكن في المحل لأنّني لم أعد أريد العودة إلى البيت ورؤية حياتي كما هي الآن أتأمّل بأن تأتي إليّ ريحاب.

وبعد أكثر مِن شهرَين على هذا النحو بدأتُ أيأس جدّيّاً وأدركتُ أنّني أتصرّف كالأحمق. كنتُ أنتظر سراباً وصورة عن ماضٍ جميل ونسيتُ أن حاضري أجمل. كانت ريحاب على حق عندما أختفَت لأنّها علِمَت أنّ زواجي سيكون في خطَر إن بقيَت في حياتي وأنّني كنتُ سأخسر أغلى ما عندي. وعدتُ في تلك الليلة إلى منزلي وعانقتُ زوجتي مطوّلاً. نظرَت إليّ وأبتسَمت وقالت:

ـ مرَّت الغيمة؟

ـ أجل.

ـ وهل ستعود؟

ـ لا… الغيوم تمرّ لِتفسح المجال للشمس… ولا حياة مِن دون الشمس.