أرادَت حماتي أن تبقي إبنها لنفسها

هذه ليست قصّة مشاكل تقليديّة بين كنّة وحماتها، وإلّا كنتُ ومِن الأوّل حلّيتُها وتابعتُ حياتي بهناء مع زوجي، ولكن ما جرى لي كان رهيبًا وخلتُ فعليًّا أنّني سأخسر رجل حياتي إلى الأبد.

عندما التقَيتُ بِنادر، كان قد طلّق زوجته للتوّ وبِصدد البحث عن أخرى. إستغربتُ للعجلة التي نسيَ بها التي شاركَته حياته لسنَتَين، ولكنّه شرحَ لي أنّها لم تكن مناسبة له. ولم أعرف آنذاك أنّه كان يعني أنّها لم تناسب أمّه. وبما أنّه لم يكن حزينًا أو متأثّرًا بطلاقه، لم أرَ مانعًا من التعرّف إليه أكثر. وبدأنا نتواعد ووجدتُ فيه الإنسان الذي أريده.

ولأنّ لا شيء يبقى سراً مطوّلًا، وصلَني أنّ غادة أمّ نادر هي التي تدير حياة إبنها فهي التي زوّجته وهي التي طلّقَته. وكان بالفعل متعلّقًا بها كثيرًا، كونه ولدًا وحيدًا تربّى على يدها بعدما مات أبوه عندما كان صغيرًا. وبالطبع خفتُ أن تتكرّر القصّة معي، فصارحتُه بِمخاوفي. قال لي:

ـ أحبّ أمّي… هذا صحيح… ولكنّني لستُ مرتبطًا بها إلى هذه الدرجة.

ـ تقول إنّك تريد الزواج منيّ؟

ـ أجل… أحبّكِ كثيرًا.

ـ أين سنسكن؟ مع أمّك؟

ـ أمّي كبيرة بالسنّ وليس لدَيها سواي.

ـ أقدّر موقفكَ ولكنّني وللأسف لن أسكن معها.

ـ لماذا تضَعيني أمام هذا الخيار الصّعب؟

ـ تبحث عن سعادتكَ وسعادة أمّكَ وأنا أبحث عن سعادتي… وهناك فتيات أخريات يُمكنك الزواج منهنّ.

ـ أريدكِ أنتِ بالذات… دعيني أرى ما يُمكنّني فعله”.

وبعد أيّأم، أخبرَني نادر أنّه سيأخذ لنا شقّة نسكن فيها لوحدنا، وأنّه سيزور أمّه مرّة في الأسبوع وينام عندها كي لا تشعر بالفراق. وارتاح قلبي لأنّني لم أكن مستعدّة أن أخسر حبيبي نادر.

وتعرّفتُ إلى غادة وتحقّقتُ مِن أنّ الذي سمعتُه عنها كان حقيقيًّا. فقد لمستُ قساوتها وبرودة قلبها وقوّة عزيمتها، وهي رأت أخيرًا وجهًا لوجه التي استطاعَت أن تفصل بينها وبين إبنها. كان كرهها لي واضحًا، ولكنّني لم أبال لأنّني كنتُ سأعيش بعيدة عنها. وتزوّجنا، وأصبح نادر يزور أمّه كلّ أسبوع ويبيت عندها. كان كلّ شيء كما يجب أن يكون.

ولكنّ أمرًا غيّر كلّ المعطيات، وهو أنّ زوجي نُقِلَ بصورة مؤقّتة إلى الخليج ولم يكن قادرًا على رفض هذا الإجراء خوفًا مِن أن يخسر عمله. عندها طلَبَ منّي أن أنتقل إلى منزل أمّه لفترة وجيزة كي لا تبقى لوحدها. بالطبع قاومتُ ورفضتُ ولكنّه أقنعَني قائلًا:

ـ لقد لبّيتُ طلبكِ بالعيش في مكان مستقلّ وتعرفين كم كلّفَني هذا الأمر… فعلتُ المستحيل لإسعادكِ ولإبقائكِ في حياتي… الآن جاء دوركِ لإثبات حبّكِ لي ومدى رغبتكِ في إسعادي”.

وذهبتُ على مضض أعيش مع التي أسمَيتُها” العقربة”، وسافَرَ زوجي. في البداية كانت غادة لطيفة معي لا ترفض لي طلبًا وتعاملني وكأنّني فردًا مِن عائلتها، حتى أنّني شعرتُ بالندم لكرهي لها. هل يعقَل أن أكون قد ظلمتُ تلك المرأة وأنّ ذنبها الوحيد كان حبّها لإبنها؟ وحين اتصل بي نادر ليسأل عن أحوالي، قلتُ له إنّني بألف خير وإنّني أتّفق جيّدًا مع حماتي. واطمأنّ قلبه واستطاع العمل بسلام. ولكن سرعان ما بدأت غادة بإظهار طبيعتها الحقيقيّة وباتَت تفرض إرادتها عليّ. في البدء كانت أمورٌ صغيرة بالكاد تُلاحَظ، ومِن ثم بدأتُ أشعر أنّني حقًّا في سجن. فلم تعد تسألني ماذا أحبّ أن آكل أو أيّ برنامج أودّ مشاهدته على التلفاز في المساء. وبالطبع إنصَعتُ لرغباتها إحترامًا لسنّها ولكونها صاحبة المكان. ومِن بعدها لم تعد تسمح لأحد بأن يزورني، وكلّما أردتُ الذهاب إلى أهلي كانت تلومني على تركها لوحدها مع أنّني كنتُ أعود قبل هبوط الليل. كلّ ذلك لم يكن يستحقّ أن أغضب منها، ولكنّني اكتشفتُ أنّها تزرع الشك في رأس زوجي وتقول له إنّني أتركها وأغيب عن البيت حتى آخر الليل وإنّها لا تعرف أين أكون.

وعندما طلبَ منّي نادر أن أعترف له بما أفعله في غيابه، عملتُ المُستطاع لأثبت له أنّني بالكاد أخرج لأرى أهلي، وقرّرتُ أنّه مِن الأفضل أن أبقى مكاني بانتظار عودة زوجي تفاديًا للمشاكل. وبدأتُ آخذ حذري مِن حماتي، بعدما أدركتُ أنّها تنوي خلق المشاكل وأنّ لا شيء يمكنه ردعها.

وهدأَت الأحوال بيني وبين غادة بعدما رأَت أنّني لم أعد أبارح المنزل، وقرّرَت أن تضرب ضربتها في مكان حسّاس جدًّا وهو عملي السابق كأخصّائيّة تجميل. كنتُ قد تخلّيتُ عن عملي، بعد أن طلبَ منّي نادر أن أفعل لأنّه لم يرَ سببًا لذلك كونه يجني المال الكافي، ولأنّه لم يكن يُريد أن يًقال عنه إنّه يعيش مِن عمل زوجته. وقبِلتُ معه ولكن على مضض، لأنّني كنتُ أحبّ مهنتي وزبوناتي، وبقيَ الأمر يحفر في قلبي.

ولأنّ غادة كانت إنسانة ذكيّة جدًّا، إستنتَجت من خلال أحاديثنا كم أنّني نادمة على ترك التجميل. لِذا عرضَت عليّ فكرة:

ـ إسمعي… أعلم أنّني لم أكن لطيفة معكِ في الفترات الأخيرة… أنا أمّ ويصعب عليّ الإبتعاد عن إبني، وأنتِ تمثلّين بنظري سبب بُعد نادر عنّي… سامحيني.

ـ أجد صعوبة في تصديقكِ، يا حماتي.

ـ أنتِ على حق… إلى جانب ما فعلتُه بكِ لا بدّ أنّكِ سمعتِ أقاويل عن معاملتي لكنّتي السّابقة.

ـ أجل… لقد دفعَتِ ابنكِ إلى تركها… وتحاولين أن تفعلي ذلك بنا الآن.

ـ أبدًا… وسأثبت لكِ العكس… إسمعي… فكرّتُ مليًّا بطريقة للتعويض عمّا فعلتُه بكِ… ولأنّني أعلم مدى تعلّقكِ بمهنة التجميل، أعرض عليكِ مزاولة عملكِ هنا في بيتي… المكان كبير ويتّسع لذلك… خذي غرفة وخصّصيها لزبوناتكِ.

ـ لن يرضى نادر بذلك وسيغضب منّي إن عَلِمَ بالأمر.

ـ لن يعرف… لن أقول له شيئًا… وحين نعلم بموعد عودته، سنزيل أيّ أثر قبل رجوعه… أقسم لكِ أنّني لن أتفوّه بكلمة واحدة.

ـ سأفكّر بالأمر.

ولكنّني لم أصدّقها طبعًا. فتمثيليّة المرأة النادمة لم تمرّ عليّ، وركضتُ أتصل بنادر لأخبره عن عرض أمّه قبل أن تسبقني هي. سكَتَ زوجي مطوّلًا قبل أن يقول:

ـ ها هي تعيد الكرّة…

ـ ماذا تعني؟

ـ هكذا فعَلَت مع زوجتي السّابقة… الآن أدركتُ أنّني طلّقتُها ظلماً… المسكينة… كانت لدَيها صديقة حميمة، ولم أكن أحبّذ علاقتها بها لأنّ الأخرى كانت جدّ مستقلّة ولدَيها أصدقاء كثر من الرّجال… كنتُ أخاف أن تؤثّر على زوجتي وأن أخسرها، لذا طلبتُ منها وبالحاح أن تكفّ عن رؤيتها وأوضَحتُ لها أنّ الموضوع يُمكنه أن يُسبّب لي زعلًا كبيرًا… ولكنّ أمّي أخبرَتني أن تلك الفتاة تأتي لزيارة زوجتي كلّما غبتُ عن المنزل… وعندما واجهتُ زوجتي، أكّدَت لي أنّ والدتي هي التي عَرَضَت عليها جلب صديقتها لأنّها رأت كم أنّ البعد عنها يؤلمني وأكّدَت أنّها لن تفضحها… وبالطبع لم أصدّقها وكيف لي أن أتصوّر أنّ أمّي بهذا الكم مِن المكر؟ ووقَعَ بيننا شجار ضخم أدّى إلى طلاقنا.

ـ يا إلهي… مِن حسن حظّي أنّني أخبرتُكَ بالأمر… إسمع… لا يُمكنني البقاء مع أمّك… سأحزم أمتعتي وأقصد منزل أهلي.

ـ لا أستطيع لومكِ… ولكن لدَيّ فكرة أخرى… لما لا تأتي إليّ؟ لقد عرضوا عليّ منصبًا دائمًا هنا.

ـ حقًّا؟ يا للخبر السّار! بالطبع سآتي!”

وتركتُ منزل غادة، وحين جهزَت أوراقي طِرتُ إلى زوجي وقلبي مليء بالفرح. وبعد فترة، سافر نادر إلى البلد لرؤية أمّه ومكث عندها مدّة أسبوع. وبعد أن عادَ إليّ، لاحظتُ فيه تغيّرًا لم يقبل أن يُعطيني تفسيرًا له.

وذات يوم، تفاجأتُ بزوجي يقول لي إنّ أمّه ستلحق بنا وتعيش في شقّة قريبة منّا. وعندما أبدَيتُ إستنكاري ورفضي للأمر قال لي:

ـ هذه أمّي…”

وأدركتُ أنّني لن أستطيع التخلّص مِن غادة ومِن مخطّطاتها الدنيئة إلّا بطريقة واحدة. وهكذا تركتُ زوجي وقلبي مليء بالحزن، ولكنّني كنتُ متأكّدة من أنّني لو بقيتُ معه كنتُ سأقع في أحد أفخاخ حماتي والنتيجة ستكون نفسها. على الأقل، بتركي لِنادر، كنتُ سأحافظ على كرامتي وسمعتي.

ولم يتزوّج نادر مجدّدًا، ربما لأنّه أدرك أنّ غادة لن تدعه يسعد مع أحد غيرها هي. أمّا أنا فلقد وجدتُ من هو أفضل منه بكثير، وأعيش اليوم سعيدة معه ومع أولادي.