خطَفَني ثم أرجعني

ذنبي الوحيد كان جمالي وثراء عائلتي. فبَدَل أن أفرحَ لذلك وأنعمَ بحياة هنيئة دخلتُ حلقة أحداث سببها عناد أهلي وأنانيّة وقلّة أخلاق رجل. فمنذ ما أصبحتُ في الخامسة عشر مِن عمري بدأ توافد العرسان أملين بأن يصاهروا أبي ويتزوّجوا أجمل فتاة في المنطقة. ولِكثرة الطلب عليّ زادَت شروط عائلتي التي رأت أنّ لا أحد يستحقّني فعلاً.

كنتُ سعيدة أن يُطرد هؤلاء الشبّان لأنّني كنتُ أريد أن أعيش مراهقتي كأيّ فتاة أخرى ولم أكن أبداً مستعدّة للحياة الزوجيّة وخاصة الجنسيّة. كنا قد أخذنا في المدرسة دروس عن جسم الإنسان والفروقات البيولوجيّة بين الأنثى والذكر وكانت معلّمتنا قد تناولَت موضوع التزاوج. وأتذكّر أنّني لم أجد الأمر مغرياً لبل اشمأزّيتُ منه، فكما قلتُ كنتُ لا أزال صغيرة لهكذا أمور. ولكنّني كنتُ أعلم أنّ يوماً سيأتي وأقع في الغرام وأتزوّج وأنجب أطفالاً.

وبعد حوالي الثلاث سنوات لم يبقَ مِن العرسان سوى أثنَين: الأوّل عدنان الذي كان بشعاً وبغيضاً ولكن ثريّاً والثاني سعد الذي كان متوّسط الدخل ولكن وسيم وقريب مِن القلب. وبذلك أعني قلبي بالذات، فكنتُ قد لمحتُه عدّة مرّات في الحيّ وأُعجبتُ به سرّاً. وكم كانت فرحتي كبيرة عندما وصلَنا أنّه يريد يدي وكم كانت خيبَتي مؤلمة عندما سمعتُ أبي يقول عنه:

ـ سعد ابن أبراهيم بائع الخضار؟ هل فقد عقله؟ أيُعقل أن أزوّجه وحيدَتي؟ لا… لا… لا أصدّق أن يصل غباء الناس إلى هذا الحدّ.

ودخلتُ الغرفة أبكي بِحرارة. ولحِقَت بي أمّي وأخَذَت تواسيني:

ـ حبيبتي… أبوكِ على حق… سعد ليس لكِ.

ـ ولكنّه سيتخرّج مِن الكليّة الصَيدلة بعد سنة واحدة… أليس هذا كافيّاً؟

ـ أجل لو لم يكن أبوه بائعاً بسيطاً… أتتصوّرينَه جالساً مع أبيكِ؟ عمّا سيتكلّمان؟ عن سعر النعناع؟

ـ لا تسخري مِن الناس… أريد أن أتزوّج مِن الذي يدقّ قلبي مِن أجله.

ـ لا دخل للحب في الزواج.

ـ ألم تحبّي البابا؟

ـ في البدء لا…

ـ والآن؟

ـ هيّا إلى النوم… كفاكِ أسئلة.

وكنتُ أعلم أنّ أمّي لم تكن سعيدة مع أبي وأنّها صبَّت أهتمامها عليّ لِتنسى طبع والدي القاسيّ والجاف. لم أسمعه ولو مرّة واحدة يقول لها كلاماً جميلاً بل كل ما يكتفي بِفعله كان اعطائها المال لِتشتري لِنفسها ما تريد.

وجاء عدنان الغليظ وأستقبَله والدي بِحرارة وجلسَ معه يبتسم له ويسأله عن أعماله وثروته. وفكرة الزواج مِن ذلك الشاب كانت تثير غضبي ولم أقبل ولو مرّة واحدة أن أجلس معه. ولكنّ ذلك لم يكن مهمّ فمصيري كان محتّماً ولم يطلب أحد رأيي بِكيفيّة تمضية باقي حياتي.

وصمّمتُ أن أبقى على موقفي مِن عدنان مهما كلفّ الأمر وبدأتُ بإضراب عن الطعام. وعندما مرّ أسبوع بِكامله دون أن أتناول سوى بعض الماء رأى أبويّ أنّني جادة بِرفضي للعريس. عندها أستدعى أبي عدنان وشرح له أنّني لا أريده ولن أغيّر فكري. وصرخَ الرجل:

ـ هذا لا يجوز! لقد أخبرتُ الناس كلّها بأنّني سأتزوّج قريباً… سمعتي ليست لعبة عند أحد! أنا مستاء جدّاً… منذ متى ينصاع الأب إلى رغبة ابنته؟ مِن الأفضل أن أرحل قبل أُهان أكثر مِن ذلك.

وخرجَ دون ان يودّع أحداً وابتسمتُ أخيراً. ولكنّ عدنان لم يكن مِن النوع الذي يستسلم وقرّرَ أن ينتقم منّي ومِن عائلتي التي أعتبرها متعالية عليه.

ففي ذات يوم بينما كنتُ بِرفقة أمّي أتسوّق جاءَت سيّارة كبيرة ووقفَت بِجانبنا ونزل منها رجلان ومسكاني بإحكام وحملاني ووضعاني في السيّارة التي أقلعَت بِسرعة فائقة. وبدأت أمّي بالصراخ والتمَت الناس حولها وركضَت إلى البيت لِتخبر والدي كي يتصرّف ويطلب الشرطة. ولكن عندما وصَلَت قال لها:

ـ أعرف ما ستقولينه لي… لقد اتصل بي عدنان الآن وأخبَرني بأنّه خطفَ البنت.

ـ يا ألهي… أطلب الشرطة!

ـ لا… ماذا سيقول عنّا الناس… لقد أصبحَت في عهدته الآن.

وبكَت أمّي كثيراً ولم يحاول أحد أن يخلصّني مِن ذلك الوحش. وفي هذه الأثناء أُخِذتُ إلى منزل في أعالي الجبل حيث كان عدنان في انتظاري. عندما رأيتُه بدأتُ أشتمه وأهدّده:

ـ سيأتي أبي وسيسجنكَ أيّها السافل!

ـ ها ها ها… لقد تكلّمتُ معه وباركَ لي… أصبحتِ لي الآن.

ـ أنتَ كاذب! لا يفعل الأهل ذلك بِبناتهم! أريد العودة إلى البيت والآن!

ولكنّه سجنَني بِغرفة معتمة فيها سرير صغير وبعض الماء. وقال لي عدنان قبل أن يقفل الباب بالمفتاح: “أنتِ معتادة على البقاء مِن دون طعام.” ومرّ يوم وأثنان وثلاثة في كل مرّة كان يأتي فيها سجّاني لِرؤيتي كان يعود خائباً فكنتُ قد قرّرتُ أنّ الموت أفضل مِن أن أعيش مع ذلك المنحطّ.

وبعد خمسة أيّام فُتحَ الباب ورأيتُ نفس الرجلَين اللذَين خطفاني يطلبان منّي مرافقتهما. وملأني الخوف فلم أكن أعلم إلى أين سيقودانني. وإذ بهما يوصلاني في المكان الذي أخذوني منه أي السوق. وقبل أن تُقلِع السيّارة صرخَ أحد الرجلان: “يقول لكِ السيّد عدنان: لِنرى مَن سيتزوّجكِ الآن بعدما أمضيتِ عدّة أيّام عندي”. ورغم ضعفي بدأتُ أركض كالمجنونة حتى وصلتُ البيت وخبّطُّ على الباب بِكل قوّتي. وعندما رآني والدَيّ صَرَخا مِن الفرح وبكيا سويّاً.

كانت أوّل مرّة أرى فيها أبي يبكي. عندها قلتُ له بِقساوة:

ـ كيف تتركني هناك معه؟

ـ شرفنا…

ـ شرفكم أهمّ مِن سلامتي وحياتي؟ تخلّيتما عنّي بِسبب كلام الناس؟ ألستُ ابنتكما العزيزة التي رأيتهما تكبر يوم بعد يوم؟ قل لي يا “بابا”… متى أصبحتُ سلعة عندكم؟ عندما بلغتُ سنّ الرشد؟ أم عند ولادتي؟ عندما لا يعرف الإنسان قيمة الحياة واحترام كيان الآخرين لا يجدر به أن ينجب… صحيح أنّني عدتُ ولكن بِفضلي أنا فقط وليس بِفضلكما… أتعلم يا أبي أنّني كنتُ أنوي قتل نفسي؟ كنتُ سأموت… نعم… وكان موتي سيكون ذنبكما أنتما… أجل يا أمّي… أنتِ أيضاً شريكة في الذي حصَلَ لي… أبي قاسي ومتسلّط؟ لماذا تزوّجتِ منه؟ أرغموكِ به كما حصل معي؟ حاولي يوم بعد يوم أو سنة بعد سنة تحويله إلى إنسان طيّب وإن فشلتِ بذلك فاتركيه! أم عليّ دفع ثمن سوء اختيارك؟

ودخلتُ غرفتي وحبستُ نفسي فيها أيّاماً حتى أن جاءَت أمّي وقالت لي:

ـ يقول لكِ أبوكِ أنّ بإمكانكِ الزواج مِن سعد.

ـ الآن أصبحَ يريدني أن أختار زوجي؟ قولي له أنّني لم أعد أريد أحداً… ما أريده هو إنهاء دراستي.

ـ ولكن… لقد أمضيتِ أيّاماً برفقة رجل وعدتِ…

ـ لم يحصل شيئاً بيننا أقسم لكِ بذلك!

ـ أعلم حبيبتي ولكنّ الناس…

ـ الناس! الناس! هذا كل ما يهمّكم… وما يضمن لكِ أنّ سعد سيريد الزواج منّي بعدما عدتُ مِن قبضة عدنان؟

ـ يقول أبوكِ أنّ سعد لن يرفض هكذا عرض… فهو سيأخذ ابنة الحسب والنسب.

ـ وأنتِ ماذا تقولين؟ أليس لديكِ رأي؟ قولي لأبي أنّني لستُ سلعة تباع بالرخص إذا كانت مضروبة… أنا إنسان! متى ستفهمان ذلك؟ لا أريد رجلاً يظنّ أنّه أسدى له خدمة عندما تزوّجني… أريد مَن يفتخر بي ويحبّني دون أن يمنّني… سأكمل دراستي وأصبح إمرأة ذات قرار حرّ… وإذا ألتقَيتُ بالذي أراه جديراً بي فسأقرّر بِنفسي الارتباط به… ظنّنتُ في الأوّل أنّ أبي ومِن كثرة حزنه عليّ رأى أن آخذ الرجل الذي أخترتُه ولكنّه يريد التخلّص منّي… لا بأس… سيرى أنّني لن أغادر هذا المنزل إلاّ حين أكون جاهزة.

ودخلتُ الجامعة وتخرّجتُ بِدرجة امتياز ووجدتُ عملاً في مجال اختصاصي أي الاقتصاد. وأنا اليوم متزوّجة مِن زميل لي ولدَيّ ابنتَين جميلتَين وأستطيع القول بأنّني أسعد إنسانة على وجه الأرض.