اشترى زوجي صمت أولادنا

” أكرم أباك وأمّكَ”… حفظَ هذه الوصيّة أجيال وأجيال مِن الناس لأنّ تضحيات الأهل ومحبّتهم لأولادهم لا يوازيها شيء. وبالرغم مِن كل الذي فعلتُه مِن أجل فلذات كبدي بادلوني هم بالأذيّة والحقد. وأروي اليوم قصّتي مِن هذا الدار المخصّص للعجّز حيث ارتَمَيتُ لأعيش بين كل اللذين نبذَتهم الحياة. والمؤسف في الأمر أنّ أولادي موجودون كلّهم في البلد ويعيشون حياة رخاء على عكس أولاد معظم نزلاء هذا الدار. وأرى بِعيون الموظّفين نظرة حزن كلّما سألتُهم إن كان قد وصَلَني إتصال أو رسالة أو أي اشارة مِن أحد. ولكن عليّ البدء مِن الأوّل كي تعرفوا كيف وصلَ الأمر بي إلى ما أنا عليه الآن.

أبصَرتُ النور وسط أبوَين محبَّين لم يُنجبا غيري بِسبب مشاكل أمّي الصحيّة. وحين بلغتُ السادسة توّفَّت المسكينة وأهتمّ أبي بي رافضاً الزواج مرّة أخرى لِكثرة حبّه لِزوجته. وشكرتُه ضمنيّاً على ذلك، فلم أكن أتصوّر وجود إمرأة ثانية في المنزل مكان أمّي. وعشنا سويّاً في جوّ مِن التفاهم والحب إلى حين تعرّفتُ إلى عماد الذي أُرادَني لحظة ما رآني.

ولأنّني ترعرعتُ بجوّ مِن الحب والتفاني أعتقدتُ أنّ الجميع مثلنا ولم يخطر على بالي أنّ أناس مثل عماد موجودون فعلاً. فلم أعاشر أحداً ولم أختبر الدنيا لِكثرة أنكبابي على أبي الذي كان غارقاً في حزن دائم. وعندما طلَبني عماد للزواج أحترتُ كثيراً لأنّني لم أشأ ترك والدي وحيداً، ولكنّ عمتّي أخذَته ليعيش معها ووعَدَتني أنّها ستهتمّ به كما لو كنتُ معه.

وهكذا تزوّجتُ وقلبي مليء بالفرح والأمل بحياة زوجيّة هنيئة. ولكنّ زوجي كان إنساناً جافاً وعديم المحبّة يشتري الناس بِماله ونفوذه. فبِفضل شركاته المنتشرة في أنحاء العالم العربي كان قد أسّسَ امبراطوريّة يحسده الناس عليها. وبالرغم مِن المنزل الرائع والسيّارات الفخمة والرحلات إلى أوروبا لم يستطع عماد أعطائي ولو ذرّة حنان. كان الأمر وكأنّه يؤدّي واجباً وليس أكثر. وبالطبع حاولتُ تعليمه كيفيّة الحب ولكنّني استضمتُ بِحائط مِن فولاذ.

وعندما علِمتُ أنّني حامل أعتقدتُ طبعاً أنّ شيئاً ما سيتحرّك داخله ولكنّني كنتُ مخطئة. بالنسبة له كان الأمر وكأنّه أنجزَ أحد الملفّات. نظَرَ إلى أبننا وقال: “عظيم… أنّه كامل.” ولأنّني أمّ حنونة صببتُ كل أهتمامي على طفلي راجية أن يكون حبّي كافياً له. ومِن ثم جاءَت البنت ومِن بعدها الولد الثاني. وهكذا أصبحَ لدَيّ ثلاثة أولاد أربيّهم لِوحدي بِمال زوجي.

وحظيَ أولادي بأفضل تعليم وأجمل الثياب وأحدث الألعاب وتخالطوا مع أولاد العائلات الراقية وكان عماد لا يبخل عليهم بِشيء. وتعوّدوا أن ينتظروه في المساء عندما يعود ليأخذوا منه مصروفهم ومِن ثمّ يضعون قبلة على خذّه ويعودون إلى غرفهم. لم أكن أحب رؤية هذا المشهد المجرّد مِن أي شعور وحاولتُ أقناعهم بالأنتظار ولو قليلاً والتحدّث إليه قبل أن يمدّوا يدهم بوجهه ولكنّهم أجابوني:”لا يهمّه إن تحدّثنا إليه أم لا… لا يهمّه إن كنّا موجودين أم لا.” وكانوا على حق. والمؤسف في الأمر أن الأولاد كانوا مثله أي قليلوا المحبّة حتى تجاهي بالرغم مِن المثل الذي كنتُ أحاول اعطاءهم بِتصرّفاتي معهم.

ومرَّت السنين والفراغ في قلبي لا يسدّه سوى زياراتي لأبي وعمّتي. فهناك كنتُ أعوّض عن الذي ينقصني في عائلتي. ولكنّ الحياة لم تعد تريد والدي وناداه الموت ليذهب حيث هي أمّي ويكملا قصّة حبّهما. بكيتُ أيّاماً وأسابيعاً كالطفلة ثم توقّفتُ عن ذرف الدموع بعدما رأيتُ انزعاج زوجي وأولادي منّي. فلم يكن بِمقدورهم فهم معنى الحزن على فقدان أحد.

وتابعنا حياتنا الجافة والحزينة وسرعان ما اكتشفتُ أنّ لدى عماد عشيقة رغم الكتمان الذي كان يلف الموضوع. فكان زوجي على علاقة معها منذ سنين ويراها شبه يوميّاً في شقّة فخمة أشتراها لها. ولم يحزنني الأمر بحدّ ذاته لأنّني لم أعد متعلقّة به ولكن الذي جَرَحني إلى أقصى حد هو أنّ أولادي الثلاثة كانوا على علم بخيانته لي وقرّروا حفظ السرّ مقابل مبالغ مِن المال. كيف يُعقل أن يحدث ذلك؟

في البدء خلتُ نفسي وسط حلم مزعج وتمنّيتُ مِن كل قلبي أن أستفيق وبِسرعة منه. ولكن الأمر كان حقيقيّاً وكان عليّ مواجهة بشاعة الذين يسكنون بيتي. علِمتُ بالأمر صدفة عندما سمعتُ حديثاً دارَ بين ابني البكر وشقيقته. كانا يتحدّثان عن تلك المرأة وأبيهم وعن الدفعة التي كانا سيحصلان عليها للتكتّم عن رحلة كان سيذهب إليها العاشقان.

عندها دخلتُ الغرفة وأمرتهما بِقول الحقيقة وهذا ما قاله إبني لي:

ـ أجل… سمعتِ جيّداً… أبي ذاهب إلى أيطاليا مع حنان.

ـ حنان؟

ـ المرأة التي يعاشرها… أنّها جميلة للغاية!

ـ تعرفها شخصيّاً؟؟؟

ـ أجل… لقد دعانا أبي للغداء معها… هي أخصائيّة تجميل ولدَيها محل لطيف في العاصمة… بالطبع هو الذي شتراه لها.

ـ تتكلّم وكأنّ الأمر طبيعيّ!

ـ وما المشكلة؟ لستما مُغرمان بِبعضكما… أم أنّني مخطئ؟

ـ أذكّركَ بأنّني أمّكَ ولا يجدر بكَ أن تخاطبني بهذه الطريقة! كيف تكذبون عليّ هكذا وطوال كل هذه المدّة؟ ألم أكن لطيفة ومحبّة معكم؟

ـ بلى… ولكنّ أبي يعطينا المال… ما نفع المحبّة؟ هل ستشتري لنا ما نريده؟

وخرجتُ مِن الغرفة باكيّة أسأل نفسي كيف أنجبتُ هؤلاء الوحوش.

وعندما عاد عماد في المساء واجهتُه بأمر تلك المرأة فأجابَني بكل بساطة:

ـ صحيح ذلك… وبما أنّكِ أصبحتِ على علم بالموضوع فلن أضطر لأخذ الحذر بعد الآن… فعلتُ ذلك لأجنّبكِ الحزن.

ـ ومنذ متى تهتمّ لِمشاعري؟

ـ لِنقل أنّني لم أكن أريد سماع عتابكِ… ماذا تريدين منّي الآن؟ أستطيع شراء سيّارة جديدة لكِ إن شئتِ… أو مجوهرات… قولي ما بِنفسكِ!

ـ بِنفسي أن أرحل مِن هنا! لماذا لا تطلّقني؟ لا تحبّني ولا تحترمني… لماذا تبقيني معكَ؟

ـ أوّلاً مِن أجل الأولاد فلم يبلغوا سنّ الرشد بعد وهم بِحاجة إلى أم… أنتِ أم رائعة ولن أجد أفضل منكِ لهذه المهام… وثانياً مِن أجل الناس فليس مِن المقبول أن يترك رجل مثلي زوجته مِن أجل عشيقته… لن أطلّقكِ.

ـ أذاً سأرحل بِنفسي!

ـ وتتركين أولادكِ؟ إن تركتِ البيت سآتي بِحنان إلى هنا وستقوم هي بالإهتمام بهم… أهذا ما تريدينه؟

ـ لا…

وسكتُ وصبرتُ وعشتُ وسط أفراد عائلتي الذين أصبحوا غرباء وشركاء في مؤامرة لن أقوى عليها.

وزوّجنا إبننا البكر ومِن ثم البنت ومِن بعدهما الصغير. ورأيتُ أنّ الوقت حان لأرحل بِدوري بعدما قمتُ بِواجبي على أكمل وجه. ولكنّ عماد لم يكن مستعدّاً لِتركي:

ـ لا… ستبقين هنا.

ـ لماذا؟ أصبحنا لِوحدنا الآن ولم تعد بِحاجة إلى مَن يربيّ أولادكَ.

ـ مكانتي الإجتماعيّة لن تسمح لي بأن أطلّق زوجتي الآن بعد كل هذه السنين… أنتِ لا تفهمين لعبة مجتمعنا المخمليّ… المظاهر حبيبتي… المظاهر! عملي ومركزي يدوران حول سمعتي ومصداقيّتي… جدّيتي في الأعمال لا تتناسب مع حياة غراميّة خارج الزواج… لن أدعَكِ تخربين كل ما بَنَيته.

ـ تريدني أن أبقى هكذا لآخر أيّامي؟

ـ أجل.

ولكنّني كنتُ مصرّة على الرحيل فأخذتُ بعض الأمتعة وقصدتُ عمّتي العجوز. ولكن بعد يوم واحد تفاجأتُ بِقدوم أولادي الثلاث طالبين عودتي لا لأنّهم يحبّونني بل لأنّ عماد طلبَ منهم ذلك قائلاً: “إمّا أن تعود والدتكم أو أقطع المال عنكم.” ولكنّني لم أرضخ لِرغبتهم وبقيتُ حيث انا. ولم أكتفِ بذلك بل قصدتُ محاميّاً وأوكلتُه بِرفع قضيّة طلاق ودفعتُ التكاليف بالمال الذي حصلتُ عليه بعدما بعتُ مجوهراتي.

ولكنّ عماد كان أقوى منّي خاصة بعدما وقفَ الأولاد معه ضدّي. وخسرتُ القضيّة. وبِباقي المال حاولتُ أن أعيش بِكرامة مع عمّتي التي فارقَت الحياة بعد سنة. ومرّرتُ بأيّام صعبة جدّاً فلم أكن معتادة على القلّة ولكنّني قاومتُ اليأس فقط لأثبت لِزوجي أنّني قادرة على الإستمرار مِن دونه. ولكنّني لم أعد أملك ما يكفي لِدفع الإيجار والأكل فذهبتُ للبحث عن عمل. ولم يقبل أحد بي لأنّني لم أعمل يوماً واحداً في حياتي وكنتُ قد كبرتُ في السنّ. كل ما أستطعتُ إيجاده كانت وظيفة بسيطة في مدرسة أساعد الأطفال على دخول الحمّامات. بكيتُ كثيراً على حظّي فمِن إبنة مدللة وزوجة رجل أعمال ناجح وأم حنونة كنتُ قد وصلتُ إلى القعر.

ومضَت سنين على هذا الحال وأصابَني مرض في مفاصلي وأصبحَت حركتي صعبة ومؤلمة. وبالطبع لم أعد قادرة على العمل في المدرسة فوجدتُ نفسي أمام طريق مسدود. لِذا التجأتُ إلى إحدى المؤسّسات التي تُعنى بالأشخاص المتروكين وأطلَتُهم على حالتي ووجدوا لي هذا الدار الذي أسكن فيه منذ عشر سنوات. وحتى اليوم لم يحاول واحداً مِن أولادي أو الوحش الذي يسمّي نفسه زوجي معرفة مكاني أو مصيري. أين أخطأت وهل أخطأت؟ أم أنّ الجشع وحب المال أقوى مِن الحب والمحبّة؟ هل فعلاً الخير ينتصر على الشرّ أم أنّها مجرّد عبارة جميلة تقال للبائسين لِتخفيف آلامهم؟