تزوّجتُ مِن التي لم أكن أحبّها

لم أكن أريد منال زوجةً لي بل أختها ريم، ولكنّ الأمور لم تَسِر كما أردتُ وأنتهيتُ مع إنسانة لم أكن أفكّر حتى بها. ولكن عليّ أولاً شرح ما حدث لي وكيف أنِقلَبت الظروف.

منذ ما أتذكّر وأنا مغروم بِريم التي كانت تسكن في المبنى المقابل. كنتُ أعرف كل صغيرة وكبيرة عنها بِسبب نوافذ شقتّهم والتي كانت تسمح لي بِمراقبة كل ما يحدث. وكان أهلي يفتخرون بإبنهم الذي كان يقضي معظم وقته في غرفته ظانّين أنّني أغرق نفسي بالدرس بينما كنتُ أبقى ملصقاً أمام نافذتي أنتظر أن أرى حياة حبيبتي تمّر أمام عينيّ.

ولم تكن ريم لِوحدها في هذا المنزل بل مع أبوَيها وأختها منال وأخيها صابر ولكنّني لم أكن آبه لأيّ منهم. صحيح أنّ الأخت كانت تنام في ذات الغرفة ولكنّها كانت مختلفة عن ريم: لا جمال ولا جاذبيّة ولا حتى نشاط بل كانت تقرأ كل الوقت ولا تقوم بأيّ شيء ذات معنى. وكنتُ أقول لِنفسي كم أنّ هاتَين البنتَين مختلفتَين عن بعضهنّ في نواحي عديدة.

وكبرنا كلّنا وبقيَ الحال كما كان أيّ أنّ ريم لم تكن تدري بِوجودي. أظنّ أنّها لا حظَت مراقبتي الدائمة لها ولكنّها تجاهلَتني كليّاً وكأنّني لستُ موجوداً. ردَدتُ الأمر الى خجلها أو عدم أستعدادها على مواجهة أهتمامي كونها لا تزال تلميذة ولكن لم يخطر على بالي أبداً أنّها وبكل بساطة كانت تكرهني. لماذا هذا الكره بالرغم مِن عدم معرفتها بي شخصيّاً؟

وحين بلغنا سنّاً يسمح لنا بالإرتباط قصدتُ أمّي لأقول لها أنّني أحبّ ريم وأريدها. ولكنّ والدتي لم تكن غبيّة وكانت على علم بِوَلَعي الذي حاولتُ أخفاءه قدر المستطاع:

ـ تريد جارتنا الجميلة أليس كذلك؟

ـ أجل يا أمّي… كيف عرفتِ؟

ـ ها ها ها… الأمر واضح كالشمس! في البدء صدّقنا رواية الصبيّ العاقل الذي يلازم غرفته لِيدرس ولكن سرعان ما أكتشفنا سرّكَ يا بنَيّ.

ـ وأبي أيضاً على علم؟

ـ لبل الجميع! لا تخف فهذه الأمور تحدث أحياناً بين الجيران… ولكنّكَ بالغتَ بالإهتمام بِريم… لَم تلَتَفِت لأيّ فتاة أخرى طوال سنين… أخشى عليكَ مِن صدمة عاطفيّة.

ـ لماذا تقولين هذا يا أمّي؟ أحبّ ريم وقد تحبّني هي الأخرى.

ـ ولماذا تحبّكَ؟ صحيح أنّكَ وسيم وذكيّ ومهذّب ولكنّكما لم تلتقيا يوماً ولم تتبادلا حتى كلمة واحدة…. الحب هو شعور إمّا أن يكون موجوداً أم لا… أرجو أن تكون على حق.

ـ أخطبيها لي!

ـ دعني أرى أوّلاً كيف هو وضع البنت.

وبدأَت تسأل عن ريم وعلِمَت أنّها تواعد شابّاً آخراً وعندما نَقَلَت لي الخبر لم أصدّقها:

ـ هذا أفتراء! لو كان لدَيها صديق لكنتُ علِمتُ بالأمر! فأنا أعرف كل شيء عنها!

ـ تراها في بيتها ولكنّكَ لا تعلم شيئاً عنها خارجه… قيلَ لي أنّها…

ـ قيلَ لكِ! مَن هم هؤلاء؟ وكيف حصلوا على معلوماتهم؟

ـ الناس تعلم بكل ما يجري يا حبيبي… إن كانت ريم تحبّ أحداً فلا داعي أن تتقدّم لها.

ـ أنا متأكّد أنّها لا تعرف أحداً… أرجوكِ أن تفعلي ما أطلبه منكِ: أذهبي وأخطبيها لي.

ولكنّ والدتي التي كانت أوعى منّي لم تكلّم أهل ريم بل بقيَت تماطل وتختلق الأعذار راجية أن أعود إلى صوابي. ولأنّني لم أكن ناضجاً كفاية قرّرتُ أخذ زمام الأمور والتصرّف بِنفسي والتكلّم مع حبيبتي لأنهي عذابي وأعيش حبّي معها كما حلِمتُ خلال سنين. فأنتظرتُ ريم على الطريق لأنّني كنتُ أعلم مِن كثرة مراقبتي لها أين أجدها ومتى. وعندما ألقيتُ التحيّة عليها قالت لي:

ـ ما تريد؟

ـ أريد أن أكلّمكِ بِموضوع هام.

ـ ليس لدَيّ الوقت لهكذا أحاديث.

ـ وما أدراكِ بِما سأقوله لكِ؟

ـ أسمع… أعرف تماماً ما تريده منّي… أراكَ مسمّراً أمام نافذتكَ تراقبني… أنتَ مريض.\

ـ بل مغروم!

ـ هل تعرف أنّني لا أقدر أن أعيش بِحريّة بِسببك؟ حاولتُ أسدال الستائر ولكنّ الأمر مزعج في الصيف… أريد أن أتنفّس وتمنعني مِن ذلك!

ـ كل ما أريده هو أن أكون معكِ.

ـ لو نظرتُ إليكَ ولو مرّة أو أبتسمتُ لكَ أو حتى ألقيتُ التحيّة عليكَ لقلنا أنّني أستلطفكَ أو أريدكَ… ما بكَ؟ ألاّ تعرف شيئاً عن الجنس اللطيف؟

ـ لا… قضيتُ حياتي معكِ.

ـ بل بِمراقبتي! دعني أرحل الآن! هيّا! وكفّ عن مضايقتي!

وبالرغم مِن قساوة لهجتها لم أستوعب أنّ عليّ تركها وشأنها بل أعتقَدتُ أنّ السبب هو عدم معرفتها بي. فكنتُ بالفعل إنساناً طيبّاً ومهذّباً وحبّي لِريم كان صادقاً وكنتُ أنوي أسعادها بأيّة طريقة. لِذا قرّرتُ أن أشتري لها سواراً جميلاً مِن مصروفي الخاص. ولكن عندما أردتُ أعطاءها هديّتي هزأت منّي ورفضَت أن تأخذه قائلة: “لن أشجّعكَ بأخذه… أعطِه لأمّكَ فأنا متأكّدة أنّ المال منها…”. وفهمتُ قصدها على الأقل على طريقتي. كانت تريدني أن أجد عملاً لأنّها لن تقبل بِشاب لا يزال في الجامعة. وقرّرتُ العمل. وكانت سنة صعبة جدّاً حاولتُ فيها التوفيق بين دراستي وخدمة الزبائن في مطعم مجاور. وكِدتُ أن أرسب لولا اصراري أن أكون عند حسن ظنّ حبيبتي.

وحاوَلت أمّي اقناعي بالعدول عن ريم:

ـ حبيبي… أنتَ في سنتكَ الأخيرة وستحصل على أجازتكَ بعد أشهر… ركزّ على درسكَ… أرجوكَ… ألا ترى أنّ ريم لا تريدكَ؟

ـ كفيّ عن هذا الكلام! ستَرين كيف ستركض إليّ عندما يصبح لي شهادة ومدخول خاص بي!

ومرَّت الأيّام وبقيَت الفتاة تتجاهلني وترفض هداياي وحتى التكلّم معي. ولكنّني كنتُ متأكداً أنّ الأمور ستتغيّر قريباً وحضّرتُ نفسي للذهاب لِطلب يدها مِن أهلها. رفضَت أمّي أن ترافقني:

ـ لن أقبل أن أُهان! ما بكَ لا تفهم؟ الفتاة لا تريدكَ! ستقول لا وستعود إلى البيت مكسور الخاطر… أسمع منّي فأنا أمّكَ.

ولبستُ أفضل ثيابي ووضعتُ العطور وأخذتُ باقة مِن الورد وأتجهتُ إلى منزل ريم. كنتُ أعلم أنّ أهلها في البيت لأنّني كنتُ أعرف كل تحرّكاتهم ولأنّني كنتُ أراهم مِن نافذتي. وفتَحَ لي الأب وسألَني ماذا أريد. شرحتُ له مَن أكون وأنّني أريد التقرّب مِن إبنته فأدخلَني. وفي الصالون رأيتُ ريم وأختها منال وأمّهما. ألقيتُ التحيّة بِتهذيب وأبتسمتُ لِريم التي كانت على وشك أن تركض وتختبئ في غرفتها ولكن أبوها قال لها أن تبقى.

عندها أنفجَر غضبها وبدأت تصرخ كالمجنونة وتشتمني وكأنّ أمامها شيطاناً بغيضاً. نظرتُ إليها وأدركتُ مدى كرهها لي. وقبل أن تنتهي قالت:

ـ على كل حال هناك شخصاً في حياتي… أجل أبي… ولا أريد هذا المعتوه.

سكتُّ مطوّلاً وسط أحراج أهلها ثم قلتُ:

ـ لا بد أنّكِ لم تفهمي سبب مجيئي يا آنسة… ولم يكن هناك داعي لهذا الكلام البشع والغير لائق بفتاة مثلكِ… ولا أتصوّر أنّ أحداً سيودّ الزواج منكِ إلاّ إذا تغيَّرَت لهجتكِ وتخلّصتِ مِن الغضب الذي يسكن قلبكِ… لم آتِ مِن أجلكِ يا ريم بل مِن أجل أختكِ منال.

عندها أحمر وجه منال وأصفر وجه ريم. وصَرَخَت هذه الأخيرة:

ـ كيف ذلك؟ أنتَ تكذب!

ـ أبداً… وسأثبت لكِ نوايايَ… منال… هل تمانعين أن نتعرّف إلى بعضنا أكثر؟

وافقَت ووافقَ الأبوان وخرجتُ دون أن أنظرَ إلى ريم. لماذا فعلتُ ذلك؟ أوّلاً لأنّني رأيتُ بشاعة التي كنتُ أخالها ملاكاً وثانياً لأنقذ ماء الوجه. وقرّرتُ أن أتواعد مع منال بضعة مرّات ومِن ثم إيجاد طريقة ناعمة لِتركها فلم أكن أحبّها ولم أجدها يوماً جميلة.

ولكن يوم بعد يوم ولقاء بعد لقاء بدأتُ أرى جمالها الروحي وتعلّقتُ بها. ومِن ثم وقعتُ في حبّها ويوم زفافنا كان أجمل يوم في حياتي. وعلِمتُ لاحقاً أنّ منال كانت مغرمة بي وتراقبني هي الأخرى وتنتظر بِفارغ الصبر أن تراني واقفاً على نافذتي.

كانت تعلم أنّني مُتيّم بِريم لِذا سكتَت وأكتفَت برؤيتي مِن بعيد.

أظنّ أنّنا لو نظرنا حولنا جيّداً سنجد حبّ حياتنا قربنا ينتظر حركة أو كلمة منّا.