أرادَ زوجة عذراء

كنتُ قد مرَرتُ بأوقات صعبة، ولولا المشروع الذي عَرَضَته عليّ قريبتي لَغصتُ بِكآبة لا نهاية لها. فعندما جاءَت ريما ورأتني بتلك الحالة قالت لي:

ـ هيّا… تمالكِ نفسكِ وشاركيني بِمؤسّستي الجديدة!

ـ ومنذ متى لدَيكِ مؤسّسة؟

ـ منذ الآن! أريد ترك وظيفتي المملّة وجني الكثير مِن المال! وما الذي لا يستطيع الناس الاستغناء عنه مهما حصل؟

ـ الأكل؟ الشرب؟ دَفن الموتى؟

ـ دَفن الموتى؟؟؟ أعني الزواج! سأفتح شركة لتنظيم الأفراح! وبما أنّني أفتقد للذوق والتعاطي مع الناس فكّرتُ بكِ… أنظري إلى نفسكِ… حتى بأصعب الأوقات تبقين أنيقة ومشعّة!

ـ كفى سخرية… تعلمين تماماً ما أمرّ به.

ـ أنا جدّ جادة… هيّا… لقد حضّرتُ لكِ عناوين بائعي الزهور والمصوّرين والصالات وكل ما تحتاجين إليه.

واقتنَعتُ بِكلامها وباشرنا بالعمل. فكانت ريما على حق لأنّني كنتُ وكأنّني ولِدتُ لهكذا عمل وبِفضل الإعلانات وأسعارنا المدروسة بدأت تقصدنا الزبائن ونجحنا بِزفّ العرسان. ونسيتُ مصيبتي لِكثرة انشغالي وفرحتي في النجاح وللمال الذي بدأ يتدفّق.

وبعد حوالي الستّة أشهر وعندما كنت في المكتب أتلقّى الطلبيّات، دخَلت حنين فتاة كانت قد أخذَت موعداً معي عبر الهاتف. وقفتُ لألقي عليها التحيّة ولكن عندما رأيتُ خطيبها تجمّدَ دمي في عروقي وكدتُ أصرخ مِن الغضب. فالعريس كان عماد حبيبي السابق نفسه الذي تَرَكَني وسبّب لي حزناً لا يوصف. ولكنّني تمالكتُ أعصابي واكتفَيتُ بِبسمة مفتعلة.

دعايتُهما للجلوس وبينما كانت حنين تحاول شرح ما تريده لِزفافها عملَ عماد جهده ألاَّ تلتقي نظراتنا خوفاً مِن أن أفضحه أمام التي كان ينوي الارتباط بها. وتابعتُ حديثي لأنّني لم أشأ خذل الصبيّة التي كانت على ما يبدو تجهل مَن أكون. وسألتُها مازحة عن تاريخ تعارفهما على بعض وأجابَت: “سنة تقرباً”. وكدتُ أصرخ للسافل: “سنة؟ كنّا سويّاً آنذاك!” ولكنّني سكتُّ. وبعد أن اتفقنا على جميع التفاصيل غادرا دون أن ينظر إليّ عماد.

وجلستُ لِوحدي أحاول التقاط أنفاسي وتهدئة دقّات قلبي المتسارعة. وعادَت إليّ الذكريات وبدأتُ بالبكاء. الغَيتُ جميع مواعيدي وعدتُ إلى المنزل. وفي المساء نفسه أتصلَ عماد بي وقال لي:

ـ أنا آسف… لم أكن أدري أنّكِ ستهتمّين بِزفافي… حنين هي التي قرّرَت وبادرَت… كيف حالكِ؟ كم سررتُ لرؤيتكِ… لقد مضى…

ـ ستّة أشهر! وكنتَ تعرف حنين أيضاً مِن ستّة أشهر…

ـ لا أزال أحبّكِ.

ـ ليس كفاية للزواج منّي وليس كفاية لِعدم خيانتي! هل تحبّها لهذه الدرجة؟

ـ أنا لا أحبّها… أنتِ حبّي الحقيقيّ… وحتى لو تزوّجتُ هذا لا يمنع أن نتواعد أنا وأنتِ.

ـ ماذا؟ هل فقدتَ عقلكَ؟ لماذا تنوي الزواج إن كنتَ لا تحبّها وإن كنتَ تريد خيانتها؟ لا أفهمكَ يا عماد! لماذا قرَّرتَ الزواج منها وليس منّي؟

ـ لقد تقاسمتُ معكِ كل شيء… كنّا جد قريبَين مِن بعضنا… تفهمين قصدي… أمّا هي…

ـ ماذا تعني؟

ـ لِنقل أنّها لا تزال “بريئة” على خلافكِ… أريد أن تكون أم أولادي امرأة محترمة.

ـ وأنا لستُ محترمة؟ أنتَ أوّل رجل في حياتي وإن لم أعد عذراء فذلك بِسببكَ!

ـ كان بإمكانك الرفض.

لم أصدّق أذنَيّ. كان يقول لي أنّه لم يتزوّجني لأنّني لم أعد عذراء بِسببه. وكان هو الذي أقنعَني بأن نمارس الجنس لأنّه يريد علاقة كاملة وأنّ موضوع العذريّة باتَ علامة تخلّف. ولأنّني كنتُ مُغرمة به فعلتُ كل ما بِوسعي لإبقائه معي. ولِشدة اشمئزازي أقفلتُ الخط بِوجهه وبكيتُ على هذا الكم مِن المكر. وبالطبع لم أنَم تلك الليلة وعندما قصدتُ المكتب في الصباح كنتُ في حالة مُزرية. وكم كان اندهاشي كبير عندما رأيتُ حنين تدخل عليّ دون موعد. وأعترف أنّني شعرتُ بِرغبة قويّة بإلقائها خارجاً بعد شتمها ولكنّني لم أفعل لِكثرة حشريّتي لِمعرفة تلك التي فضّلها عماد عليّ.

دعيتُها للجلوس وسألتُها عمّا تريد فقالت لي أنّها نسيَت أن تعطيني بعض التفاصيل وأنّها قصَدَتني عالمة بأنّني سأعطيها مِن وقتي لأنّني وحسب قولها “قريبة مِن القلب.” وأدركتُ أن الفتاة طيبّة وأنّها تستحق أفضل مِن خطيبها بِكثير. ولكنّها كانت مُغرمة به إلى حدّ كبير ومرّة أخرى لم أشأ تحطيم قلبها.

ولأنّ الفتاة كانت مِن النوع القلِق أصبحَت تأتي باستمرار للسؤال عن الترتيبات أو تغيير بعض الأمور. ومع الوقت شعرتُ بِنوع مِن المودّة تجاهها وهي أعربَت عن ارتياح كبير لي. وكما يحصل بين الفتيات بدأنا نتحدّث عن أمور أكثر خصوصيّة وقرّرَت حنين أن تفتح لي قلبها:

ـ مِن المؤكّد أنّكِ لاحظتِ قلقي الدائم.

ـ هذا طبيعيّ فاقترَبَ الزفاف.

ـ أجل ولكن… هناكَ أمراً آخراً… لا أدري كيف أفاتحكِ به.

للحظة ظننتُ أنّها على علم بِعلاقتي السابقة بِخطيبها وأحترتُ لِكيفيّة التعاطي مع الموضوع. ولكنّها تابعَت:

ـ أنتِ لا تعرفين عماد كما أعرفه…

وابتسمتُ ضمنيّاً وأجبتُ:

ـ لا… لا أعرفه… ولكن تابعي مِن فضلكِ.

ـ عماد ليس الأوّل في حياتي.

ـ هذا أيضاً طبيعيّ… فالبنت تتعرّف على الكثير مِن الشبّان خاصة إن كانت بِجمالكِ.

ـ أعنّي مِن الناحية الجنسيّة… وحصَلَ أن تعرّفتُ إلى عماد وأحببتُه… ولكنّه يشدّد كثيراً على موضوع العذرية ولو عَلِمَ بالأمر لألغى الزفاف.

لم أعرف حينها إن كان عليّ الضحك أو البكاء على ارباك حنين. فَمِن جهّة كنتُ جدّ فرحة أن تكون تلك الفتاة بعيدة كل البعد عن البراءة وأنّها غشّته طوال كل ذلك الوقت ومِن ناحية أخرى كنتُ أشعر معها لأنّنا كنّا في وضع مشابه ولو قليلاً. وعندما بدأَت بالبكاء قمتُ مِن محليّ وعانقتُها وواسيتُها. وسألَتني عمّا يجب فعله وكنتُ على وشَك أن أنصحَها بأن تقول له الحقيقة ولكنّني كنتُ أكيدة مِن أنّه سيتركها ويحطّم قلبها كما فعَلَ معي وبي. وكانت تملك الحل فأخبَرَتني أنّ صديقتها ذهبَت لجرّاح وأجرَت عمليّة بسيطة أعادَت لها عذرّيتها. عندها قلتُ لها:

ـ إن كان هذا ما تريدينّه فلا تتأخّري فالزفاف باتَ قريباً.

ـ هذا هو حلّي الوحيد… لو كان عماد أكثر انفتاحاً…

ـ ولكنّه ليس أكثر انفتاحاً… هو سخيف لا يهمّه إلاّ المظاهر… ربما تعرّفَ إلى بنات صالحات وتركهنّ مِن أجل ذلك.

ـ أجل… أخبرَني عن صديقته السابقة وقال لي كيف تركها لأنّها لم تكن عذراء… ورغم حبّه لها فضّل الرحيل… يا ألهي! هذا ما سيحصل لي!

ـ وهل يستحق عماد هذه التضحيّة؟

ـ أحبّه كثيراً.

ـ إذاً عليكِ المضيّ بالعمليّة.

ـ شكراً! لقد ارتحتُ الآن.

وذهبَت حنين إلى الجرّاح وقامَت بِتغطية ماضيها وعادَت كما أرادها خطيبها أي فتاة بريئة لم يلمسها أحد.

وجاء موعد الزفاف وكنتُ هناك ككل مرّة أنظّم عرساً وأخذتُ أتفرّج على العروسَين وهما يرقصان بِفرح وضحكتُ على العريس الذي لم يكن على علم بشيء. وكان عماد يستحقّ هذه الخدعة وأن يبدأ حياته الزوجيّة بِكذبة وأن يعيش طوال حياته دون أن يدري بشيء. وحنين كانت تستحقّ أن تبدأ حياة جديدة بِثقة ولكن كلّما ستنظر إليه ستتذكّر أنّها غشَّته وأنّه غبيّ لأنّه صدّقها.

هل كنتُ مستعدّة لِفعل نفس الشيء عندما أتعرّف إلى رجل حياتي؟ لا لأنّ رجل حياتي لن يعاملني وكأنّني بضاعة جديد أو مستعملة بل كإنسانة كان لها حياة مِن قبله وعاشرَت رجلاً لِتختاره هو بالذات. قد لا يوفَقني البعض وخاصة الرجال والشرقيوّن منهم ولكنّني سأقرّر لِوحدي ما أفعله بِجسدي رافضة أن ألجأ إلى أساليب ملتوية كما فعلَت حنين. فما هو الأفضل: أن يقبلَني كما أنا أو أن يعيش كذبة طوال حياته؟ سأترك لكم أيّها الرجال عبء الجواب.