حذَّرَني مديري مِن عدم الاقتراب مِن زوجته

لن أنسىَ يوم رأيتُ ميساء. كانت ترتدي فستانًا أحمر وتحمل حقيبة يد حمراء اللون. كانت تبدو كاللعبة رغم أنّها كانت قد بلغَت سنّ الأربعين. والسّبب الوحيد الذي منَعَني في ذلك الحين من أن أقول لها إنّني لم أرَ امرأة بجمالها في حياتي، هو أنّها كانت زوجة المدير وأنّه كان واقفًا بجانبها.

قد يظنّ البعض أنّه مِن الطبيعيّ أن يُعجَب شاب بِامرأة بهذا الجمال حتى لو كانت تكبره بخمس عشرة سنة، وأنّه سينساها بعد أن تغيب عن نظره، ولكنّني لم أفعل. فذلك اليوم كان بداية قصّة طويلة.

وبقيتُ أنظر إلى ميساء حتى انتهى حفل وداع زميل لنا ورحَلَت مع زوجها. ولاحظَت زميلتي ذلك وقالت لي مازحة:

ـ لستَ أوّل مُعجَب… فهي خارقة الجمال… ولكن إيّاكَ أن تقترب منها… المدير يغار كثيرًا وقد يحصل لكَ ما حصل لمن قبلكَ…

ـ ماذا تقصدين؟

ـ كان هناك رجل… المسؤول عن الموارد البشريّة… لا تعرفه فقد رَحَل قبل مجيئكَ…

– وما دخل ذلك بِميساء؟

ـ دعني أكمل… يُقال إنّه أحبّ ميساء ولكنّ المدير أخفاه عن وجه الأرض.

ـ ما هذه الأقاويل السخيفة؟ لسنا في غابة! الناس لا يُخفون مَن يُزعجهم بهذه السهولة!

ـ أحذّركَ فقط”.

والغريب في الأمر أنّني لم أخف بعد أن سمعتُ تلك القصّة، بل زاد حماسي ربمّا لأنّني كنتُ في عمر يُحبّ التحدّيات ولا يزين الأمور جيّدًا. وبدأتُ أحلم بِميساء أثناء الليل وحتى النهار، وأنتظر بفارغ الصّبر المناسبة التالية التي كانت ستحضرها، أي حفل إقفال موازنة السنة.

وفي اليوم المذكور، إرتدَيتُ بذلة جميلة إشترَيتُها خصّيصًا كلّفَتني نصف راتبي. ولكن ما مِن شيء غالٍ على ميساء التي كانت امرأة أنيقة وتتحلّى بذوق رفيع جدًّا.

وحين دخلتُ صالة الإجتماعات حيث أُقيمَت الدعوة ورأيتُها، توجّهتُ مباشرة إليها وقدّمتُ نفسي لأنّني لم أكن مستعدًّا لتفويت هكذا فرصة. نظَرَت إليّ بتمعّن، ومدَّت يدها وتأهَّلت بي. فأعربتُ لها عن إعجابي بها كما قد يفعل فتى لزميلته في المدرسة. عندها، ضَحِكَت عاليًا وقالت لي:

ـ كم أنتَ ظريف! ألا تخاف من أن يسمعكَ مديركَ؟

ـ لا! لا أخاف مِن أحد! أفكّر بكِ مذ رأيتكِ في فستانكِ الأحمر.

ـ شكرًا… ولكن…

ـ سأقول لكِ رقمي وإن حفظتِه وأحببتِ الإتصال بي فسيكون ذلك أسعد يوم في حياتي.”

وأعطيتها رقمي، وذهبتُ أقف في إحدى زوايا الصّالة. وانتهى الحفل وعدتُ إلى البيت. وبالطبع، إنتظرتُ مكالمة مِن ميساء ولكن عبثاً فعلتُ، فأدركتُ أنّ ما فعلتُه كان بغاية الغباء. فكيف لإمرأة متزوّجة وبهذا الجمال أن تفكّر ولو لحظة واحدة بشاب مثلي!

ولكن بعد حوالي الأسبوعَين، جاءَني الإتصال المنتظر ولم أصدّق أذنيّ عندما سمعتُها تقول لي أنّها هي. تكلّمنا حوالي النصف ساعة عن أمور عديدة وطريفة. وعندما أقفلنا الخط كنتُ أسعد رجل في الدنيا. وبعد أسبوع، عاودَت الإتصال بي، وبدأنا نحكي لِبعضنا عن أمور أكثر خصوصيّة وشعرتُ أنّني بدأتُ أتقرّب منها. وبالطبع، لم يكن مسموح لي أن أخابرها، وكان عليّ الانتظار حتى يطيب لها التكلّم.

وبعد شهرَين على هذا النحو، إستطعتُ أخيرًا أن أفوز بموعد مع ميساء. ولن أقدر وصف شعوري عندما ذهبتُ للقائها في منزلها. كنتُ فرحًا وخائفًا بعض الشيء، لأنّني كنتُ أخشى أن يعرف مديري بالأمر بالرّغم أنّه كان خارج البلاد. ولكنّني كنتُ واثقًا مِن قرار ميساء فهي كانت حتمًا تعلم ما تفعله، خاصة بعدما أكّدَت لي أنّ الأمر سيبدو طبيعيًّا للجيران الذين كانوا معتادين أن يروا حركة دائمة في المنزل لكثرة الزوّار.

وكانت ميساء قد أعطَت إجازة للخادمة، فجلسنا لوحدنا في الصالون وكنتُ جدّ مربك. فبالرّغم مِن مكالماتنا العديدة والحميمة، كانت تلك أوّل مرّة أجد نفسي لوحدي معها. وعملَت جهدها كي أشعر بالإرتياح وقبّلتني على فمي. لم يحصل بيننا شيء آخر وعدتُ إلى المنزل حالمًا وعاشقًا.

وبعد أيّام، وبعد عودته، مِن السّفر دعاني مديري إلى مكتبه. وكنتُ بعيدًا كلّ البعد عن التكهنّ أنّ السبب كان زيارتي لزوجته، بل اعتقدتُ أنّ الأمر متعلّق بالعمل. وعندما دخلتُ مكتبه وجدتُه جالسًا ينظر إليّ بتمعّن. قال لي ببساطة:

ـ أخبَرَتني زوجتي أنّكَ ذهبتَ لزيارتها.

وتجمّد الدم في عروقي ولم أستطع الإجابة. فتابع الرجل:

ـ تخبرني ميساء كلّ شيء… إسمع… أعرف زوجتي جيّدًا… إنّها تلهو بكَ… ليست تلك أوّل مرّة… وسأكون صريحًا معكَ… لا أمانع أن تتسلّى زوجتي خلال سفراتي فأنا أيضًا لدَيّ” صديقات”… ولكنّني لا أرضى أن يحصل ذلك مع أحد موظّفيّ… إعتبره إنذارًا… مفهوم؟ عُد إلى عملكَ.”

خرجتُ مسبوعًا مِن مكتبه. هل يعقل أن يرضى رجل بأن تقوم زوجته بعلاقات غراميّة مع غيره؟ على كلّ حال قرّرتُ طبعًا أن أبتعد عن ميساء خاصة أنّني تذكّرتُ ما أخبَرتني به زميلتي عن العشيق الذي اختفى. ولكن ميساء لم تكن مستعدّة لأن تدَعني وشأني، فكانت مِن اللواتي تحصلن دائمًا على مرادهنّ.

وعندما اتصلَت بي، قلتُ لها إنّه مِن الأفضل أن نقطع علاقتنا، وأخبرتُها بالذي حصل في مكتب زوجها. عندها ضَحِكَت وقالت:

ـ لا عليكَ مِن زوجي… أعرف كيف أتدبّر أموري معه… تعالَ إليّ… هو خارج المدينة الليلة… لدَيه سهرة طويلة وحافلة… تعالَ وسأعطيكَ ألف سبب لعدم التوقّف عن رؤيتي.

ولأنّني كنتُ شابًّا سريع التأثّر بالجنس اللطيف، لم أتردّد ولو ثانية عن الذهاب إليها. وفي بيتها، عرِفَت ميساء كيف تكافئني.

وأصبحنا نلتقي عندها كلّما سنحَت لنا الفرصة وكنتُ أسعد الرّجال. كان عليّ أن أتذكّر تهديد زوجها، ولكنّني نسيتُه بين ذراعَي حبيبتي.

وبالطبع، علِمَ مديري بما يجري ومِن ميساء نفسها التي كانت تحب إغاظته غير مبالية بالذي يُمكن أن يحصل لي. وأعتبرَ الرجل أنّني أستفزّه بالإستمرار بمعاشرة زوجته، فلم يكتفِ بطردي بل أراد إفهامي أنّه لا يقبل أن يتحدّاه موظّف بسيط.

ففي ذات ليلة، عندما كنتُ عائداً مِن إحدى زياراتي لميساء، أوقفَني رجلان وحملاني عنوة إلى زقاق مجاور وأبرَحاني ضربًا. خلتُ حقيقة أنّني سأموت. وأتذكّر أنّ وجه أمّي الباكي كان آخر صورة رأيتُها قبل أن أفقد الوعي. واستفقتُ بعد وقت في ذلك الزقاق، وزحفتُ حتى بلغتُ الطريق حيث أوقفَ سائق سيّارته أخذَني إلى المستشفى. هناك عالجوا كدماتي وكسوري، وقالوا لي إنّني لن أستعيد عافيتي قبل وقت طويل.

وتعلّمتُ الدرس، فقد إحتككتُ بمَن هو أقوى منّي واستحقَّيتُ عقابي. فلم يكن هناك نهاية سعيدة لمعاشرة امرأة متزوّجة، خاصّة أن كانت زوجة رجل ذي نفوذ. وبالطبع لم أقترب مِن ميساء أو حتى الشركة واثقًا من أنّني لن أعيش إن فعلت. وبقيتُ على اتصال بتلك الزميلة التي أخبرَتني لاحقاً أنّ ميساء ألقَت بشباكها على الموظّف الذي أخَذَ مكاني. يا للمسكين!