تزّوج صديقي مِن زوجتي كي أستطيع إعادتها

كنتُ أعتبر نفسي رجلًا ذكيًّا لا يستطيع أحد اللعب بي، ولكنّني وقعتُ ضحيّة ائتماني لصديق غير جدير بهذه الثقة. والسّبب الأوّل لانسياقي في تلك اللعبة، هو اعتقادي أن بين الرجال رباط مقدّس لا يقطعه شيء. أمّا الثاني فكان سرعة انفعالي وتسرّعي في أخذ القرارات عندما أغضب.

تعرّفتُ إلى ريما عند أقارب لي، وأُعجِبتُ فورًا بها وباتت تسكن أفكاري ليلًا نهارًا. عملتُ جهدي لأحصل عليها، رغم تردّدها لأنّها لم تشاركني مشاعري، فبدأتُ آخذ لها الهدايا والورود وألمحت لها أنّها ستعيش حياة رخاء معي. لم أكن أكذب، فكنتُ فعلًا ميسوراّ بفضل المال الذي تركَه لي المرحوم أبي والمعمل الذي أسّسته معه قبل وفاته. وكنتُ فعلًا مستعدًّا لفعل أيّ شيء مِن أجل الفوز بِقلب ريما. وساعدَني الكلّ في إقناع فتاة أحلامي، ما عدا أنوَر صديقي الذي لم يرَ مبرّرًا لاندفاعي الزائد. وأرجعتُ الأمر إلى خوفه مِن أن أبتعد عنه بعدما قضينا طفولتنا ومراهقتنا سويًّا، ومِن ثم كلّ أوقاتنا. كان أقدَم وأعزّ رفيق لي، وكنتُ آخذ برأيه في كلّ شيء إلاّ في تلك المسألة، فحبّي لريما فاق كلّ اعتبار.

واستطَعتُ إقناع ريما، وتزوّجنا وأقمتُ لها أجمل زفاف كي تعرف أنّني لم أكن أبالغ بوعودي. وقرّرتُ أنّني لن أبعد عن أنوَر، لذا أدخلتُه ومِن الباب العريض إلى حياتي الزوّجية. فصار يأتي إلى بيتنا شبه يوميًّا ويخرج معنا إلى كلّ مكان. وخِلتُ لفترة أنّني وجدتُ التوازن المثاليّ بين الزواج والصّداقة.

ولكن وجود أنور الدائم سمَحَ له أن يكون على علم بكلّ شاردة وواردة، ويتدخّل في كلّ ما يجري عادة بين زوجَين، أي المناكفات البسيطة التي تحصل في المراحل الأولى مِن ارتباطهما. وعادة ينجح الثنائيّ في حلّ تلك المشاكل ليضعا الخطوط الثابتة لحياتهما سويًّا. ولكن في حالتنا، كان الأمر محالاً بسبب تغذية أنوَر لمشاجراتنا بالهمس في أذن كلّ منّا ليخرّب علينا حياتنا. فقد كان يأتي إليّ ويُحرّضني ضدّ ريما ويفعل كذلك معها.

وسرعان ما أصبح جوّ البيت متشنّجًا، وبدأتُ أرى عيوبًا في زوجتي لم تكن فعلاً موجودة واعتبرتُ اختياري لها خطًأ فظيعًا. أمّا هي فتأكّدَت من أنّها كانت على حق في عدم رغبتها بالزواج منّي وبدأَت تأسف على قبولها بي.

ولم يكتفِ أنور بذلك فحسب، بل عملَ على التقرّب مِن ريما عاطفيًّا، أي كان يقول لها الكلام الجميل ويمدح صبرها عليّ ويُبّين لها الفرق الشاسع بيني وبينه مِن حيث الإهتمام والمعاملة. والجدير بالذِكر أنّني بدأتُ أكره زوجتي، فلم أعد أعيرها أيّ أهميّة، وبدأتُ أقضي معظم وقتي في المعمل ولا أعود منه سوى في ساعة جدّ متأخرّة. وكان أنوَر في تلك الأثناء يأخذها للتسوّق أو لزيارة أهلها، ورأيتُ بذلك خدمة يُسديها لي.

وفي أحد الأيّام، قال لي أنوَر:

ـ ماذا ستفعل بزواجكَ؟

ـ ماذا تعني؟

ـ أعنّي أنّكَ لست سعيداً وهذا واضح للعيان… ليس لديكما أطفال بعد، فإن كنتَ تنوي الطلاق الآن هو الوقت المناسب.

ـ الطلاق… لم أفكّر بهذا الموضوع… صحيح أنّ علاقتي بريما سيّئة ولكن…

ـ سيّئة؟ بل أسوأ مِن سيّئة! تقضيان وقتكما في الشجار والصّراخ… هي لا تفعل شيئًا في المنزل وأنتَ تقضي وقتكَ في العمل!

ـ لا أدري… قد تكون فترة عابرة… أظنّ أنّني لا أزال أحبّها، يا أنوَر.

ـ وهي؟

ـ لستُ متأكّدًا مِن ذلك.”

وبالطبع، إتّبَعَ صديقي الطريقة نفسها مع زوجتي، شارحًا لها أنّني لا أحبّها بل أنتظر بفارغ الصبر رحيلها كي أتزوّج مِن أخرى، والدّليل على ذلك هو صراخي الدائم وعدم رضاي عن كلّ ما تفعله.

ولكنّنا لم نجرؤ كلانا على فتح موضوع الطلاق، فضاق صدر أنوَر وقرّر أن يُسرّع الأمور.

أتى ذات يوم إلى المعمل وطلبَ أن يكلّمني في موضوع هام. قال لي:

ـ تعلم كم أنتَ عزيز عليّ… أليس كذلك؟

ـ أجل… أجل.

ـ وتعلم أنّني لن أفعل شيئًا يُؤذي مصالحكَ… أنتَ أخي… أنتَ أعزّ انسان على قلبي…

ـ ما بكَ؟ أخَفتني يا رجل!

ـ ريما… سمعتُها تتكلّم على الهاتف مع أمّها وتقول لها إنّها باقية معكَ مِن أجل المال، ولكنّها تدعو لكَ بالموت كلّ ثانية… المرأة تريدكَ ميتًّا! ماذا ستفعل حيال ذلك؟ أستبقى مكتوف اليدَين؟”

وركضتُ كالمجنون إلى البيت بِرفقة أنوَر. وحين فَتَحَت لي ريما الباب، بدأت بالصراخ عليها وبشتمها، ونظَرَت المسكينة إليّ محاولة معرفة سبب ما دفَعَني إلى هذا الكمّ مِن الغضب وقلّة الأخلاق. وبدأَت هي الأخرى بالصّراخ، وأخبَرَتني أنّها لم تعد تتحمّلني وتريد الرّحيل. عندها تأكّدتُ مِن كلام أنوَر وقلتُ لها:

ـ سأعطيكِ ما تريدينه! أنتِ طالق… طالق… طالق!”

ونظَرَت إليّ زوجتي باِندهاش وبدأت بالبكاء .

ـ لماذا تفعل ذلك بنا؟ ماذا يحصل لنا؟ كنتَ تحبّني وعملتَ المستحيل للزواج بي… كيف تحوّلتَ إلى وحش؟”

وخَرَجَت مِن البيت باكية. وعندما هدأتُ قليلًا، أدركتُ أنّني تسرّعتُ كثيرًا، خاصة أنّني طلّقتُ زوجتي بالثلاث ولم يعد باستطاعتي استرجاعها.

ومضَت أيّام صعبة عليّ فكّرتُ مليًّا خلالها بكلّ مشاكلنا، ووجدتُ أنّها لم تكن تستحقّ هذا الكم مِن الغضب مِن الجانبَين، ولكنّني لم أكتشف أنّ أنوَر كان العصب المحرّك. وأردتُ أن تعود ريما وأن نستعيد الأيّام الجميلة القليلة التي تقاسمناها سويًّا. أذكر أنّني بكيتُ لأوّل مرّة في حياتي وأمام صديقي الذي قال لي:

ـ أرى أنّكَ تتألّم كثيرًا يا صاحبي… سأصنع لكَ خدمة كبيرة… سأتزوّج مِن ريما وأطلّقها كي تستطيع استرجاعها… ما رأيكَ؟”

وبالطبع قبلتُ، ولكنّني لم أكن أعلم أنّ صديقي كان يُريد ريما لنفسه منذ البداية. وراح أنوَر يُقنع ريما بالزواج منه، بدون أن يقول لها إنّه وعَدَني بأن يُعيدها إليّ. قبَلتْ معه لأنّه كان دائمًا حنونًا معها ويستمع إليها على عكسي، ولأنّها كانت تريد الإنتقام منّي على تطليقها وبتلك الطريقة. وتزوّجا، وانتظرتُ طبعًا أن يكون الزواج صوَريًّا وأن يتمّ الطلاق بسرعة، ولكنّ الوقت طال وسمعتُ أنّهما يعيشان كزوج وزوجة. حينها فقط علِمتُ أنّ أنوَر تلاعب بي. وتفاديًا للفضيحة، قرّرتُ الإبتعاد عنهما، فآخر شيء كنتُ أريده هو أن يعلم الناس بالذي جرى لي وبي.

 

ولكنّ ريما كانت نزوة بالنّسبة لأنوَر. فكلّ ما أرادَه هو أخذ ما كان لي إذ فسرعان ما سئمَ مِنها ولم يعد يُريدها. وكلّ ما كان عليه فعله هو إخبارها كيف تلاعب بنا، فرَحَلَت مِن تلقاء نفسها.

 

وبعد أشهر، إتصَلَت بي ريما وطلبَت أن نلتقي ولكنّني رفضتُ بقوّة. عندها قال لي:

ـ عنادكَ وطبعكَ هما اللذان أوصلانا إلى ما نحن عليه اليوم… أحبَبتني ولكنّكَ لم تعطِني فرصة واحدة لأكون حقًّا في حياتكَ… وثقتَ بصديقكَ وجعَلَتني أثق به أنا أيضًا… أدخلتَه إلى حياتنا وأعطيتَه مكانًا لا يحقّ له به… أنتَ أفضل منه بكثير ولكنك متسرّعٌ بقراراتِكَ … تعالَ نجلس ولأوّل مرّة وحدنا ولنتكلّم عن كلّ شيء… ومِن بعدها سنقرّر… هذا إن كنتَ لا تزال تحبّني.”

وذهبتُ للقاء ريما وتحدّثنا مطوّلًا.

الآن، لدَينا ولدَان. وبقي أنوَر خارج زواجنا لا بل لم أعد أكلّمه رغم محاولاته العديدة للرّجوع.