لم أعد أعرف زوجي بعد خروجه من السجن

كنتُ جدّ صغيرة عندما فقدتُ والدي وبالكاد أتذكّر ملامحه. ولم تنتظر أمّي طويلاً لِتجد لِنفسها رجلاً آخراً لِيَحلّ مكان الأوّل. ورغم وعوده بأنّ يعتبرَني كإبنته لم يستوعبَني زوج أمّي بل ظلّ يرى فيّ ابنة الذي سبَقَه.

وبعد أن أمضيتُ أكثر مِن سنة بِوحدة تامة، ولِدَ أخي ونال اهتمام الجميع وغرقتُ بانعزال قاسٍ. وكبرتُ وكأنّني شبح يطوف المنزل ويمّر قرب أهله دون أن يرَونه، حتى أن بدأتُ أنتظر اللحظة المناسبة للرحيل. ولم يكن أمامي حلاً سوى الزواج.

فعندما تعرّفتُ إلى كمال عند صديقة لي وأبدا أعجابه بي، لم أمانع أن أعطيه موعداً وذلك رغم فارق العمر بيننا. كان في الخامسة والثلاثين مِن عمره، أمّا أنا فكنتُ في السابعة عشر. لم أقع في حبّه بل شعرتُ بالأمان معه بسبب سنّه وأحواله الماديّة، فكل شيء لدَيه كان مطمئنّاً.

وعندما قصدَ أمّي وزوجها طالباً الإذن بالأرتباط بي لم يلقَ أي ممانعة لَبَل وافقا قبل أن ينهي حديثه. كان سيتخلّصا أخيراً مِن آخر أثر للمرحوم أبي. وكان كمال رقيقاً ولطيفاً معي ووعدتُ نفسي أن أحبّه لأنّه يستحقّ ذلك ونَمَت في قلبي عاطفة خاصة تجاهه أسمَيتُها حب. ومِن هذا الحب رأى إبننا النور ومِن ثم إبنتنا، وألّفنا عائلة صغيرة وسعيدة.

كنتُ قد بلغتُ حدّاً كبيراً مِن الراحة والشيء الوحيد الذي بقيَ يزعجني كان وجود أمّي. فبعد أن تزوّجتُ مِن رجل ناجح بدأَت تلك المرأة بالاهتمام بي ليس بِدافع الحب كما يجري عادة بين الأمّ وإبنتها بل بِدافع الغرور والتباهي بِصهرها والمنزل الذي سكنّا به.

وحين قال لي كمال أنّه سيسافر بنا إلى الخارج لتأسيّس شركة جديدة طِرتُ مِن الفرح. كنتُ سأقطع أخيراً الصلة مع والدتي وزوجها وإبنهما الذي لم يكن يحبّني أو يستلطفني حتى.

وحزمتُ أمتعتنا وقلبي يرقص مِن الفرَح وسافرنا وهناك قرّرتُ أن أبدأ صفحة جديدة مِن حياتي وأن أضَع ورائي كل أحزاني وأمتعاضي.

ولكنّ عذابي لم يكن على وشك الأنتهاء بل لم يكن قد بدأ بعد. فلم تمرّ سنة على حياتنا الجديدة حتى أن وقعَت كارثة.

ففي ذات ليلة وهو عائد إلى البيت بعدما تناول العشاء مع بعض العملاء دَهَسَ كمال بِسيّارته أحد المارّة. وتوقّفَ طبعاً وحمَل الرجل إلى المستشفى ولكن المسكين توفّيَ بعد دقائق. وجاءَت الشرطة وفحصَت نسبة الكحول في دم زوجي وتبّينَ أنّه تخطّى عدد الغرامات المسموحة. فأخذوه وسجنوه وتهموه وحجزوا على أملاكه ليستوفوا مبلغ التعويض لِعائلة الميّت.

أما أنا فبدأتُ أركض مِن محام إلى محام ولكنّهم لم يستطيعوا انقاذ كمال بسبب فظاعة الحادث وكميّة الكحول التي كانت موجودة في دمه. وحكموا عليه بالسجن لِمدّة خمسة سنوات وغرامة كبيرة جدّاً.

لم أشأ العودة إلى البلد مع ولَدَينا كما طلبَ منّي زوجي أن أفعل لأنّني اعتبرتُ أنّ مكاني كان بِقربه فلم أتخيّل تركه لِوحده في زنزانة في بلد غريب. ولكي أستطيع مواصلة الحياة هناك أنتقلتُ إلى شقّة صغيرة في حيّ شعبيّ ووجدتُ عملاً في سوبر ماركت. وبقيتُ أزور كمال كلّما سمحوا لي بذلك واعدة نفسي أن أتحمّل كل ما ينتظرني أحتراماً للرجل الذي أعطاني كل شيء.

ولكن مِن خلال زياراتي لِكمال بدأتُ ألاحظ تغيّراً في تعاطيه معي وأرجعتُ الأمر طبعاً لِظروف أحتجازه وتمنيّتُ أن تمرّ عقوبته على خير. وكبَرَ ولَدَينا دون أب لأنّه ومنذ الأوّل رفضَ رفضاً قاطعاً أن يزوراه كي لا يرَونه مسجوناً ويبقيا في ذاكرتهما صورة إيجابيّة عنه. وبالطبع لم أخبر أمّي عن الذي حصلَ وبقيتُ أقول لها أنّني بألف خير خوفاً مِن الشماتة. وحين أبدَت رغبتها بِزيارتنا اخترعَتُ لها ألف حجّة لأمنعها مِن القدوم.

لن أطول الكلام عن صعوبة حياتنا خلال فترة سجن زوجي لأنّ ما حصل لاحقاً كان أبشع بكثير وتمنّيتُ مراراً لو بقيَ كمال وراء القضبان. لماذا أقول ذلك؟ لأنّ السجن مكان بشع وقاسي وأناس مثل كمال لا يخرجون منه دون أن يحملوا معهم ذيولاً عميقة. ماذا حصَلَ له هناك؟ لم أجرؤ سأله ولم يشأ أخباري ولكنّه خرَجَ وكأنّه إنسان آخر. وأستطيع القول أنّ في تلك الليلة المشؤومة لم يمت ذلك الرجل لِوحده بل مات زوجي معه.

فمنذ ما أستعادَ كمال حرّيته أبدا رغبته بالعودة إلى بلدنا وتفهّمتُ الأمر وشكرتُه على تلك المبادرة لأنّني كنتُ قد تعبتُ كثيراً مِن العمل والهمّ. فرِحَ ولَدَينا أيضاً آملَين أن يستعيدا أباهما خاصة أنّه لم يبدِ أي حماس عند رؤيتهما. كان الأمر وكأنّه لم يعتبرهما ولَدَيه بل عاملَهم بِجفاء وبعد. شرحتُ لهما أنّ الأمور ستتغيّر عند عودتنا. وكان كمال قد تغيّر معي أيضاً فعلاقتنا الجنسيّة أصبحَت تشبه جلسات أغتصاب. لم أتصوّر يوماً أن يكون كمال بهذا الكمّ مِن الغضب والأذى. وسكتُّ طبعاً آملة أن يعود إلى طبيعته.

ولكن عندما عدنا وبسبب قلّة المال لم نستطع استعادة حياتنا السابقة أو حتى عمله السابق. ولأنّه لم يكن يستوعب أنّ عليه البدء مِن جديد كموظّف عادي قرّرَ عدم العمل بانتظار تغيّر ما في مسار حياته. وأنعَزَلَ عن الناس وعزَلنا معه وبدأ باحتساء شتّى أنواع الكحول. وبعدما باع قطعة أرض صغيرة كان لا يزال يملكها صرَفَ أغلبيّة المال على قناني الكحول. أمّا الباقي فتبخّرَ بِسرعة على المأكل والمشرب ومدارس ولَدَينا. حاولتُ إقناعه بالكف عن المشروب وإيجاد عملاً ولكنّه صَفَعني بِقوّة صارخاً: هذا شأني! إيّاكِ أن تتدخّلي بِشؤوني مرّة أخرى!

نظرتُ إليه بإندهاش فلم أصدّق أنّ باستطاعة كمال تعنيفي. عندها أضاف: “أنصحكِ بالإبتعاد عنّي أنتِ وولَدَيكِ وإلاّ…” ومِن نظرته أدركتُ أنّه قادر على إيذائنا. ولم أعد قادرة على النوم خوفاً مِن أن يقتلنا فبدأتُ أغمض عينَيّ قليلاً في النهار عندما أجده غارقاً في شبه غيبوبة الكحول وأفيق باقي الوقت ما سبّب لي أرهاقاً أثّرَ عليّ نفسيّاً وجسديّاً. حاولتُ استدراجه إلى رؤية طبيباً عندما شعرتُ أنّه يعي الذي يحصل له ولكنّه عاد بِسرعة إلى مزاجه البشع وإلى تهديداته.

وبعد مرور سَنَتَين على هذا النحو جاءَت النهاية بِطريقة مفاجئة. ففي ذات مساء دَخَلَ كمال إلى الحمام ليغتسل ورأيتُها فرصة مناسبة لأنام ولو بضعة دقائق قبل أن أعود إلى القلق والسهر. ولِكثرة أرهاقي غرِقتُ في نوم عميق لم أستفق منه إلاّ بعد ساعة مرعوبة لِفكرة حدوث أي مكروه لِولَدَي خاصة أنّني لم أجد كمال قربي في السرير. وركضتُ كالمجنونة لأتفقّد صغاريّ ووجدتهما نائمَين في غرفتهما. عندها انتبهتُ إلى صوت الماء في الحمام وسألتُ نفسي عن سبب تأخّر زوجي إلى هذا الحد. ودفعتُ الباب ووجدتُ كمال في أسفل المغطس. حاولتُ أيقاظه ولكنّه كان قد فارَقَ الحياة. وفي تلك اللحظة امتلكَني شعور مزدوِج: حزن عميق مِن جهّة وأرتياح مِن جهّة أخرى. كنتُ أعلم أنّ سبب تصرّفات كمال كان السجن وما رآه وحصل له هناك ولكنّ العيش مع إنسان شبه مجنون كان يفوق قدرتي على التحمّل ناهيك عن خوفي الدائم على ولدَيّ. وقال لي المسعفون أنّ زوجي أُصيبَ بِنوبة قلبيّة حادة ودفَنته بعدما أعطوني شهادة الوفاة.

ومنذ ذلك الحين وأنا أحاول محو صورة الأب السكيّر والعنيف مِن ذاكرة ولَدَيّ كي يحصلا على حياة سليمة وكي أعيد لِزوجي الكرامة التي فقدها ليلة خروجه مِن المطعم مع عملائه. مَن كان يتصوّر أن ذلك الرجل الذكيّ والمحبّ سيتحوّل إلى وحش خطر؟ لِذا أبقي في قلبي ذكراه الحسنة وأصليّ لِراحة روحه آملة أن يكون في مكان يجد فيه الطمأنينة.