أرادت أمي العيش كما يحلو لها

هل على الرجل أو المرأة الإصرار على البقاء سويًّا رغم الخلافات القويّة التي يصادفانها؟ أم مِن المستحسن أن ينفصلا ويعيشا حياةً أفضل، بعيدًا عن بعضهما؟ وماذا عن الأولاد؟

هذه قصّة أبوَيّ وما حصل لِزواجهما، وذلك بِسبب أمّي التي كانت بحاجة للعيش بِحرّية.

 

كانت أمّي رسّامة، وككل الفنّانين كانت تملك حاجة مستمرّة إلى التجدّد والأبداع. وبِسبب احساسها المرهف كانت تلحق غرائزها أكثر مِن منطقها. أمّا أبي فكان عكسها، يفكّر طوال الوقت ويزين بدقّة كل تصرّف وقرار. ولأنّه كان رجل قانون كان يشدّد على الواجب والتقاليد وكان يحب المكوث في البيت بينما هي كانت تطوق إلى آفاق أوسَع وأماكن بعيدة ومثيرة. كيف التقيا رغم هذه الفروقات وكيف قرّرا العيش سويًّا؟ غلطة كبيرة حسب قول أمّي التي لم تكن سعيدة مع الذي أحَبَّته لِفترة وجيزة.

ولأنّها لم تعد تطيق الحياة داخل أربعة جدران قصدَت نادي رياضيّ للتمويه عن نفسها قليلاً. وهناك وقعَت بِحب مدرّبها الذي كان يهوي تسلّق الجبال والحياة الخطرة. كان لدَيه جسدًا خارقًا وكان يعرف كيف يستعمل جاذبيّته مع النساء ولم تستطع والدتي مقاومته.

في البدء أقاما علاقة سريّة بعيدة عن الأنظار لأنّ كليهما كان متزوّجًا واعتقدا أنّ الأمر سيزول بعد أن يُشبعا حاجاتهما الفائضة. ولكن بعد فترة لا بأس بها قرّرا أن يعيشا حبهما على العلن وذلك لأنّ أمّي وبكل صدق لم تعد قادرة على التمثيل أحتراماً لِنفسها ولِزوجها وإبنتهما. فلم تكن إمرأة سيّئة رغم خيانتها لأبي بل كان لديها كما ذكرتُ سابقاً روحًا حرّة ترفرف في سماء الغرام.

وأصبحَت والدتي تواعد حبيبها علناً وتظهر معه في مناسبات عديدة وتتلقّى اتصالات منه في كل وقت مِن النهار والليل.

وبالرغم مِن امتعاضه الشديد فضّل أبي التريّث آملاً أن تكون مرحلة عابرة. ولكن الأجواء في البيت أصبحَت ثقيلة ومتشنّجة وكنتُ أنتظر بين لحظة وأخرى أن تقع المصيبة.ولكنّ الأمر لم يكن مسألة أيّام أو حتى أشهر بل قرّرَت أمّي أن تترك زوجها في الحال.

ففي ذات ليلة جاءَت إلى غرفتي وقالت لي:

ـ حبيبتي… أصبحتِ مراهقة وأعلم أنّني أستطيع التكلّم معكِ في مواضيع… صعبة… وأعلم أيضاً أنّ بأستطاعتكِ أستيعاب ما أنوي فعله… مِن المؤكّد أنّكِ لاحظتِ أنّ الأمور بيني وبين ابيكِ ساءت منذ فترة طويلة… ليس لكِ أي دخل بها بل السبب هو أنا… تعلمين كيف أنا… لم أعد قادرة على العيش هكذا… أنا بحاجة إلى عواطف جيّاشة وحب عظيم… أبوكِ رجل صالح ولكنّه… كيف أقول لكِ ذلك… جامد ومتحفّظ… وباتَت حياتنا صعبة ومعقّدة… أدرك أنّكِ تتعذّبين وسط أجواء الشجار وعدم التواصل ولكنّني سأريحكِ وأريح بالكِ… لقد تعرّفتُ إلى شخص مميّز يعطيني ما ينقصني أي العواطف القويّة التي تضفي معنًى مميّزًا على حياتي… لستُ أنانيّة الى درجة ترك كل شيء ورائي بل أريدكِ أن تأتي معي.

ـ وأترك أبي؟

ـ أجل… فكّري جيّدًا بالأمر.

ووقعتُ في حيرة ولمتُ أمّي لأنّها وضَعَت على كتفيّ حملاً أكبر منّي. ولكنني في النهاية اخترت الذهب معها لأنّني كنتُ متعلّقة بها أكثر ولأنّ أبي كان فعلاً ورغم طيبته رجلاً جامداً وجدّيًا فوق اللازم.

وشاهدتُ الشجار العظيم الذي دار بين والدَيّ عندما أطلعَت أمّي زوجها على نيتّها في الرحيل مع إبنته.

وبدافع الأنتقام أتصل أبي بِزوجة مدرّب الرياضة وحين التقى بها في أحد المقاهي وقَعَ بحبّها قبل حتى أن يتبادلا التحيّة. وهي أيضًا شعَرَت بأنجذاب غير مألوف لِرجل جاء يتكلّم معها عن خيانة أزواجهما. ولم يدُر الحديث حول العاشقَين بل حولهما وأكتشفا نقاط تقارب غير متوقّعة. وحين حان الوقت ليعود كل منهما إلى داره كانا قد اتّفقا أن يكمّلا حياتهما سويّاً فور صدور حكم الطلاق.

ووقعَ الخبر على أمّي كالصاعقة. فلم تستوعب أنّ زوجها الهادئ والموزون والمعدوم مِن أي شّغف قد يشعر تجاه امرأة أخرى هذا الكم مِن الحب. ولكنّها مضَت في مشروعها وأنتقلتُ معها للعيش في شاليه يملكه صديقها الرياضيّ.

وتزوّج أبي مِن حبيبته الجديدة وجاءَت تسكن في بيتنا.

ولكن بعد فترة ليست بِطويلة بدأ عشيق أمّي بالأبتعاد عنها رغم محاولاتها بالتمسّك به. فكان ذلك الرجل سبب رحيلها وأمِلَت أن تعيش حياة مغامرات معه. ولكنّه لم يكن مِن اللذين يبقون مطوّلاً مع امرأة واحدة. واكتشفَت والدتي أنّها لم تكن الوحيدة في حياته. ووقعَ الخلاف، ومرّة أخرى سمعتُ الصراخ والشتائم والتهديدات.

ولكنّ المدرب لم يكن يملك صبر أبي أو أخلاقه العالية. ففي ذات يوم رمانا خارج مسكنه وغيّرَ الأقفال كي لا يخطر لنا العودة.

ورأيتُ يأس أمّي التي أدركَت أنّها لحِقَت سرابًا وخسِرَت كل شيء. وطلبَت منّي أن أعود إلى أبي لأنّها لم تعد قادرة على تأمين عيش كريم لي ولم تكن تريد أن أعاني مِن خياراتها. بكينا كثيراً ووعدنا بعضنا ألاّ نقطع الاتصال بيننا.

خفتُ كثيراً أن تعاملَني زوجة أبي بِقساوة لأنّني إبنة التي سرقَت منها زوجها الأوّل ولكنّها كانت بالفعل مميّزة ولمَستُ سبب أختيار أبي لها. عاملَتني بِلطف وحنان وأعتبَرَتني البنت التي لم تنجبها خاصة أنّها كانت عاقرًا. ولأوّل مرّة منذ ما ولِدتُ عشتُ بِبيت يسود فيه التفاهم والمحبّة ولَزِمَني بعض الوقت لأتأقلمَ مع الأجواء الهادئة والخالية مِن الصراخ والعتاب.

مِن ناحيتها تابعَت أمّي حياتها كما أرادتها أن تكون أي بِحريّة تامة. كانت ترسم وتبيع لوحاتها لِتقصد الأماكن التي حلِمَت أن تزورها. كان لديها عشّاقًا عديدين ويافعين وكانت تصتحبهم معها حيث تذهب. كنتُ أتلقّى منها رسائل وصوَر، وكنتُ مسورة أنّها وجَدَت أخيرًا مسارها.

ولكن لكل شيء نهاية. فمع الوقت، خسِرَت والدتي جاذبيّتها وحتى قدرتها على الرسم ولم تعد تتلقّى إلا بعض طلبات بالكاد تكفيها لتأكل وتشرب. وأصبحَت تصرف معظم مالها على الكحول ربما لِتنسى أنّها لم تعد الانسانة التي كانت تأكل الحياة بِشهيّة برفقة رجل الموسم.

وبعد أن استقّرَت في البلد وأخذَت شقّة صغيرة في حيّ شعبيّ استطعتُ الذهاب إليها. وحزنتُ كثيراً عندما رأيتُ كيف أصبحَ حالها فمِن امرأة جميلة ومميّزة أصبحَت نحيلة وهزيلة وحزينة.

تعانقنا مطوّلاً ثم سألَتني إن كنتُ سعيدة وإن كنتُ أكنّ لها بأيّة ضغينة. طمأنتُها قائلة:

ـ لا يا ماما… لا أزال أحبّكِ… أنتِ هكذا وعليّ قبولكِ كما أنتِ… أرجوكِ أن تخفّفي مِن شرب الكحول فذلك لن يحل شيئًا.

ـ عندما أشرب أشعر أنّني عدتُ إلى ما كنتُ عليه… هذا كل ما تبقّى لي.

ـ لا… يبقى لكِ إبنة… لن أترككِ أبداً

وبقيتُ على وعدي أزورها بأستمرار وأعطيها بعض المال لتكفي نفسها. لم يمانع أبي أو زوجته أن أساعد والدتي لأنّها كانت مِن الذين لا يمكنكَ الغضب منهم مطوّلاً، فلم يكن لدَيها مكرًا أو أذيّة بل كل ما أرادَته هو أن تكون حرّة.

وفي ذات يوم نامَت أمّي ولم تستفِق. كان اليأس والمشروب قد استحوذا عليها مِن الداخل والخارج.

وعندما قرعت بابها ولم تفتح لي علِمتُ أنّها ماتت. خلَعنا الباب ووجدتُها نائمة على الأريكة وفي يدها قنّينة كحول. كانت تعانقها وكأنّها تتمسّك بِخشبة خلاصها.

وعمَّ الحزن قلبي لأنّني كنتُ أعلم كم تعذّبَت روحها التي لم تتحمّل أي قَيد. أ

قمنا لها دفناً جميلاً وكأنّنا نقول لها أنّنا معها حتى آخر لحظة. وأصرَّيتُ أن تُكتَب على قبرها هذه الكلمات:”الآن أصبحتُ حرّة.”