كرهتُ طفلي قبل أن يولد حتى

حبّي للأطفال كان لا يوصَف وسبب زواجي الى جانب حبّي لِسمير كان شغفي لِبناء أسرة وقضاء حياتي وسط ضحك ولعب أولادي. ولم أكن لأتصوّر يومًا أنّ هذا الحبّ سينقلب الى كره يبلغ أقصى الحدود.

كل شيء بدأ عندما حمِلتُ بإبني الأوّل. فإلى جانب الغثيان والتعب كان هناك ذلك الاحساس بالجوع الدائم الذي أدّى طبعًا الى زيادة وزني وبِشكل كبير. ولكنّ الجميع طمأنَني بأنّني سأعود كما كنتُ حالما يرى الجنين النور. وبدأتُ أنتظر بِفارغ الصبر أن يخرج منّي هذا المخلوق الجشع.

ولكنّني بقيتُ ولِفترة طويلة أحمل تلك الكلويات المزعجة وبدأتُ أحسد وأكره كل اللوات تتمتعنَ بِقوام جميل واللوات كانت تجد بِسهولة ملابسًا جميلة وعصريّة. وضَرَبَني اليأس وبِتُّ أقضي نهاري أزين وزني وأندب حظّي. ومرَّت سنتان حتى استطَعتُ أن أستعيد جسد ما قبل الحمل وأقسمتُ أنّ ابني سيبقى وحيدًا.

ولكن بعد أقل مِن شهرَين اكتشَفتُ أنّني حامل رغم كل الاحتياطات التي أخذتُها. وفي نفس اليوم علِمتُ أن أبي فارقَ الحياة فجأة ومِن دون سبب. كان قلبه قد توقّفَ عن الخفقَان. وشعرتُ أنّ القدر يلاحقني ويريد الانتقام منّي بِزرع مخلوق شيطانيّ في بطني. وعادَت فترات الغثيان والأكل وانتابَني خوف عميق. ولم أكن أبدًا مستعدّة للمرور ثانية بالذي عشتُه. ورحتُ أفتّش عن طريقة للتخلّص مِن هذا الجنين الذي جلَبَ معه الموت والأوجاع والكِلويات. فبعدما تغلّبتُ وبِصعوبة مِن أذيّة أوّل ولَد لم أكن واثقة أنّ الثاني لن يكون أكثر شرًّا.

وأخبرتُ زوجي وأهلي عن نيّتي في إنزال الجنين ولكنّ الجميع وقفَ بِوجهي طبعًا بسبب عدم أخلاقيّة الأمر أوّلاً والخطر الذي قد يشكلّه الاجهاض على صحّتي أو حتى حياتي.

عندها بدأَت تأتيني الأحلام المزعجة خلال الليل وحتى النهار ولم يعد هناك أمرًا آخرًا في ذهني. كل ما كنتُ أريده هو أن يرحل هذا الشيء الذي يسكن فيّ.

وبحثتُ عن داية على أمل أن تخلِّصني مِن هذا الثقل البغيض. كنتُ أخشى أن تقع مصيبة كبيرة عند ولادة هذا الطفل الشرير لِذا كان عليّ قتله قبل ذلك. ولكنّني لم أجد أحدًا لِيقوم بالمهمّة ربمّا بسبب عدم شرعيّة الأمر والعقوبات الثقيلة التي ستطال الفاعلة.

ووجدتُ أن الحلّ الوحيد كان أن أهمل الجنين وأتجاهله. وتوقّفتُ عن الذهاب عند الطبيب النسائيّ وعن الأكل معتقدة أنّه هكذا سيموت مِن الجوع لِوحده.

حاولَ زوجي مساعدتي بِشتّى الطرق وأخَذَني حتى عند طبيب نفسيّ مدركًا أنّ لِمشكلتي جذورًا عميقة. رافقتُه على مضد ولكنّني التزَمتُ الصمت طوال الجلسات حتى أن استسلَمَ المعالج. فلم أكن مستعدّة للاستسلام للمؤامرة الضخمة التي اشتركَ بها جميع مَن حولي لأنّهم لم يرَوا خطورة جنيني.

وبالطبع كنتُ قد ابتعدتُ عن ابني الأوّل الذي اعتبرَتُه أيضًا نظير سيّئ وعندما سألَني المسكين متى سيرى اخاه الصغير أجبتُه:” لَن تراه… فليس هناك شيئًا في بطني… مجرّد هواء… كفّ عن الانتظار ولا تضيّع وقتك.” وبدأ طفلي بالبكاء وذهب يلتجئ باكيًا الى ابيه الذي نظَرَ اليّ بِغضب شديد.

وتأزّمَت حالتي فبدأتُ أحلم بأنّ الجنين مات في بطني وكنت أستفيق لأتفقّد إن كان هناك دماءً على فراشي. وحاولتُ مِن ثمّ لَكم بطني لأقتله وينتهي عذابي. ولكنّ زوجي رآني في أحد الأيّام وأنا أرطم نفسي على الحائط ومسكَني بقوّة وهدَّدَني بإرسالي الى مستشفى المجانين أن عاودتُ الكرّة.

وقبل موعد الولادة بِقليل استأجر لي سمير شاليهًا صغيرًا على البحر لأسكن فيه لوحدي لأنّه كان يخاف على ولَدَين منّي. وأفَرَحني الخبر لأنّني لم أكن أبدًا مستعدّة لِرؤية المسخ أو حتى أخاه. فبعد أن أخرجوه منّي وبعد أن رفضتُ حتى حمله لبستُ ثيابي وتوجّهتُ الى الشاليه وسط اندهاش الممرّضات والأهل. ولحِقَت بي أمّي كي لا أكون لِوحدي في ظرف كهاذا ولكن بعد أقل مِن يوَمَين طلبتُ منها أن ترحل لأنّني وبكل بساطة كنتُ أشعر بِسعادة لا توصف بعد أن فرغ بطني.

وعندما وجدتُ نفسي بِمفردي بدأتُ أخطّط لِحياتي القادمة بعيدة عن زوج غير متفهّم وأطفالًا شرّيرين.

ولكن بعد حوالي الأسبوعَين شعرتُ بِفراغ أخذَ يكبر يومًا بعد يوم. في البدء اعتقَدتُ أنّ السبب كان ذلك الشاليه البعيد عن الناس ولكنّني أدركتُ أنّ شيئًا كان ينقصني: هذا الصوت الذي سمعتُه في المستشفى، هذه الصرخة التي اختفَت عندما أخذوا ابني منّي. وبكيتُ. بكيتُ ليلًا نهارًا. بكيتُ لأنّني أدركتُ فظاعة ما فعلتُه ولكن السبب بقيَ لغزًا كبيرًا: كرِهتُ أطفالي وزوجي وأمّي وحاولتُ قتل جنيني بشتّى الطرق ولكن لماذا؟ كيف وصَلَ الأمر بي الى هذه الدرجة مِن الاهمال والإجرام؟ لطالما كنتُ امرأة مسالمة ومحبّة ولولا عاطفة الأمومة التي استفاقَت في قلبي كنتُ مستعدّة للرحيل وترك أسرتي. وماذا لو لم تستفِق هذه العاطفة؟ مِن المؤكّد أنّ ولَدَيّ كانا سيكبران وبداخلهما شعور بالتخلّي وعلامات استفهام لا أجوبة لها.

واتصلتُ باكية بِسمير وأخبَرتُه بالذي أمّر به ولكنّه خافَ مِن هذا التغيير المفاجئ وظنّ أنّني احتال عليه كي أصل الى طفلَينا وأؤذيَهما. وبعد أن توسّلتُ اليه وأقسمتُ بالله وكل مَن هو عزيز عليّ قَبِل أن يُريني طفلي ولكن لِبضعة دقائق. طلبتُ منه أن يصطحب معه ابني الأوّل لِكثرة شوقي اليه.

وفي اليوم المتّفق عليه كنتُ في حالة لا توصف بعد أن قضيتُ الليل أتخيّل مئة سيناريوهات لهذا اللقاء. وسمعتُ جرس باب الشاليه وبدأ قلبي يدقّ بِسرعة فائقة وشعرتُ أنّه سيغمى عليّ.فتحتُ الباب ورأيتُ زوجي يحمل بين ذراعَيه طفلًا والى جانبه ابني وأمّي وكانوا جميعًا ينظرون اليّ بِخوف وشوق. قبّلتُ ابني الكبير بِحنان ومِن ثم أمّي ومِن بعدها زوجي الذي كان يبحث عن أيّة اشارة جنون لِيبعد الطفل عنّي. ولكنّه رأى مدى تأثّري فقبّلني وسألَني إن كنتُ اريد حمل الطفل. ومدّه لي وأخذتُه بتأنّي فائق بينما خطَفَ الجميع نَفَسه. ونظرتُ الى وجه طفلي ورأيتُ أجمل طفل في العالم.

وسألتُ سمير:

ـ ما اسمه؟

ـ لم اسميّه بعد… انتظر حتى تفعلي أنتِ.

ـ ما رأيكَ بِ” غَدي”؟

ـ شرط أن يكون غدنا أفضل… يبقى عليكِ أن تثبتِ لنا أنّكِ فعلًا مستعدّة للعودة.

ـ ماذا تريدني أن أفعل؟ أعلم أنّني مريضة ولكن كيف سأخرج مِن هذا الجنون؟

ـ علم النفس هو الوحيد الذي يمكنه مساعدتكِ… سنذهب سويًّا للمعالج ولكن هذه المرّة عليكِ أن تتعاوني معه لِتشفي.

ـ قد يطلّب ذلك وقتًا طويلًا…

ـ أجل… الى حين نجد سبب تصرّفاتكِ… أحبّكِ كثيرًا ولكن عليّ حماية طفلَينا.

ـ معكَ حق… هل ستحرمني منهما كل ذلك الوقت؟

ـ لا… ولكن لن ترَيهما إلاّ بوجودي ووجود أمّكِ ولِفترة قصيرة.

وبدأتُ العلاج وتبّيَنَ مِن خلاله أنّه كان لدَيّ مخاوفًا مدفونة ظهَرَت عند ولادة أوّل ولَد ومِن ثم تفاقَمَت حين توفّي والدي الذي كنتُ اعتبره سندي الوحيد بسبب خلافات قديمة مع أمّي. كل ذلك كان قد حصَلَ خلال طفولتي ومراهقتي وبقيَ هذا الشعور في عقلي الباطني.

أنا اليوم وسط عائلتي الصغيرة وأحمد ربيّ كل لحظة على رجوعي الى صوابي وعلى مساندة زوجي العظيم لي. الحبّ أقوى مِن كل شيء ويمكنه شفاه أبشع الأمراض شرط أن نكون مستعدّين على التحسّن وعلى الاعتراف بأنّنا نعاني مِن اضطرابات. ولولا استيقاظ الأمومة فيّ لَبَقيتُ أتخبطّ لِوحدي مع مخاوفي حتى باقي حياتي.