إحتقرني الناس لأنني أوكرانية

تعلّقي بأرضي وناسها لا يوصف، لكنّ الأوضاع في أوكرانيا كانت جدّ صعبةٍ. وبالرّغم مِن شهادة الدكتورا في العلوم السياسيّة التي كنتُ أحملها، لم أحصل على التقدير أو العيشة التي أستحقّها. وحلِمتُ بِمكان آخر حيث أستطيع العيش بكرامة وحريّة، فلم أتردّد بقبول طلب صداقة ذلك الرجل الشرقيّ على فيسبوك.

بعد أن تبادلنا بضعة أسطر فقط، طلبَ مني رقم هاتفي وأكملنا حديثنا على الواتساب. أخبَرني غازي أنّه يبحث عن فتاة “مثلي” أي مختلفة عن فتيات بلَده اللواتي كن جدّ متطلّبات. كنتُ على وشك أن أقول له أنّني أيضًا متطلّبة، لكنّني فضّلتُ السكوت خوفًا مِن أن أضيّع تلك الفرصة التي ربّما لن تتكرّر.

وبعد أن فتحنا السكايب واستطاع غازي الإبتهاج أمام جمالي “السلافي”، عَرَض عليّ أن أزور موطنه. وطِرتُ مِن الفرح لأنّني كنتُ قد سمعتُ عن ذلك البلد الجميل وناسه الطيّبين.

وبعد أنّ أجرَينا المعاملات اللازمة للفيزا، إستطعتُ السفَر. وهناك زرتُ مع غازي الجبال والبحر والمواقع الأثّرية وتناولت الأكل اللذيذ. إلى جانب ذلك، تعرّفتُ إلى اصدقاء غازي وعائلته، ولكنّني لم ألاحظ نظراتهم إلىّ والتهامس الذي دار بينهم أو حتى امتعاض أمّه. لم ألاحظ كل ذلك لأنّني نشأتُ في عائلة وبيئة خالية مِن الأفكار المسبقة والإعتبارات العرقيّة والإجتماعيّة.

وبعد أقل مِن ثلاثة أشهر، طلبَ غازي يدي فقبلتُ بسرور وودّعتُ أهلي. فرحنا كان جميلا، لكن المدعوّين كانوا قلة لأنّ زوجي لم يكن يُحبّ التباهي. وانتقلنا إلى شقّته الجميلة والمفروشة بِذوق. وعندما ذهبنا إلى للتسوّق وأشترى لي غازي ثيابًا جميلة وكلّ ما تطلبه نفسي، شكرتُ ربّي على حياتي الجديدة.

في البدء كنّا نستقبل زوّارًا عدد أتوا بمعظمهم لتهنئتنا بالزواج، ومِن ثم بدأوا يختفون. وسألتُ غازي عن السبب:

ـ أين أصدقاؤكَ؟ لم نعد نرى أياً منهم… لا تقل لي إنّ اللغة هي المشكلة فالكلّ هنا يتكلّم الأنكليزيّة وأنا أجيدها تمامًا.

ـ الناس مشغولون كثيرًا هذه الأيّام… هذا هو السبب.

كنّا نقضي أيّام الآحاد عند أهله الذين عمِلوا جهدهم لإخفائي عن معارفهم وجيرانهم. وكان غازي يعيدني إلى الشقّة فور انتهاء الغداء ليعود إليهم بمفرده لتمضية باقي النهار.

وبالطبع لاحظتُ أنّ الكلّ كان يتجنّبني، لكنّني لم أكن أعلم لماذا، فقد كنتُ فتاة جميلة ومهذّبة ومتعلّمة، أي كنت أملك كل المعطيات ليفتخر زوجي بي وكل مَن كان حوله. ولكن في كلّ مرّة كنّا نخرج فيها، كانت هناك غمزات عنّي لزوجي وكأنّهم كانوا يهنّؤونه على اختياره لي.

ولأنّني كنتُ أشعر بالملل لِوحدي في البيت طوال النهار قرّرتُ إيجاد عمل. ولكنّ الأمر كان صعبًا بسبب شهادتي العالية وقلّة المناصب المناسبة. وفي مجالات أخرى أقلّ أهميّة، كانت الرواتب متدنيّة جدًّا، على الأقل بما يخصّني. على كلّ الأحوال لم يكن يُريدني غازي أن أعمل:

ـ ألا تعيشين بِرخاء؟

ـ بلى ولكن… أريد أن أشعر بأنّ لحياتي هدفًا… أحبّكَ كثيرًا ولكنّك غائب معظم النهار.

ـ قد تقعين على أناس… أقصد على مَن يُسئ الفهم.

ـ ماذا تقصد؟

ـ مِن الأفضل أن تبقَي في البيت.

ولم أفهم معنى كلامه الاّ عندما مررنا ذات يوم في منطقة سياحيّة. كنتُ قد رأيتُ حافلة مليئًاً بالفتيات ولِشدّة استغرابي سألتُ زوجي عن سبب وجود هذا العدد الكبير مِن الشقراوات في المركبة:

ـ إلى أين يأخذهنَّ السائق؟ إلى رحلة سياحيّة؟

تلبَّك غازي وأجابَ:

– لا… بل إلى الكباريه… إنّهنّ أوكرانيّات.

ـ ممتاز! هل يُمكنني موافاتهنّ؟ أتوق إلى التكلّم بلغّتي مع أحد!

ـ هل فقدتِ صوابكِ؟ هؤلاء مومسات!

وكيف لكَ أن تعلم ذلك؟ أتعرفهنّ؟

ـ لا… ولكنّ الأمر واضح كالشمس… إسمعي… عندنا في البلد، الأوكرانيّات هنّ مومسات.

ـ كلّهنّ؟

ـ أجل… ما عداكِ طبعاً.

ما قاله لي زوجي أحزنَني كثيرًا، لأنّ بنات بلّدي لسنَ كما قال، وأنا لم أعرف أو أرَ مومسًا في حياتي. مِن المؤكّد أنّ بعض الأوكرانيات إخترن هذا الطريق بسبب الضيقة الماليّة، ولكن لا يحق لأحد لصق هذه التهمة بشعب بكامله.

وفهمتُ حينها موقف محيط غازي منّي ومقاطعتهم لنا. كانوا بكلّ بساطة يعتقدون أنّني مِن راقصات الكباريهات. وأخذتُ قرارًا بإثبات العكس للجميع. ولكن وللأسف لم يتسنّ لي الوقت لذلك.

فبعد حوالي الأسبوع، سافر غازي إلى الخارج بداعي العمل. وفي اليوم التالي دقّ بابي أحد أصدقائه:

ـ أهلاً فؤاد… عذرًا ولكنّ غازي خارج البلد.

ـ أعلم ذلك… جئتُ أسلّيكِ بعض الشيء…

وفرحتُ بوجوده بعدما قضيتُ فترة طويلة لا أرى أحدًا عندنا في البيت. أدخلتُه وعرضتُ عليه فنجان قهوة ولكنّه طلبَ أن أسكب له كأسًا مِن الوسكي. لم أستغرب الأمر لأنّنا في بلدنا نشرب الكحول بِصورة دائمة. وجلستُ بالقرب منه وتبادلنا الأحاديث وتطرّقنا إلى مواضيع عامّة. ولكن بعد قليل، وضَعَ فؤاد يده على فخذي وتصرّف كأنّ شيئًا لم يكن. أبعَدتُ يده عنّي بِحزم فنظرَ إليّ بِتعجّب:

ـ ما الأمر؟ ألا أعجبكِ؟

ـ أنا امرأة متزوّجة وأنتَ صديق زوجي.

ـ ومنذ متى يُزعجكم ذلك؟

ـ مَن نحن؟

ـ الأوكرانيّات.

عندها وقفتُ بِغضب واتّجهتُ إلى الباب وفتحتُه صارخة:

ـ أخرج حالاً مِن بيتي ولا تعدْ أبدًا!

ـ بيتكِ؟ هاهاها! أصبحَ لديكِ بيت؟ كنتِ تموتين مِن الجوع في بلدكِ… أصبحتِ الآن تملكين بيتًا وتطردين الناس منه؟ شيء جميل!

وخرَجَ فأقفلتُ وراءه الباب بِقوّة وأخذتُ أبكي بدموع حارّة.

صحيح أنّني لم أكن ثريّة ولكنّني لطالما عشتُ بكرامة محاطة بأناس محبّين وطيبّين. وبقيتُ أبكي كلّ يوم حتى عادَ غازي مِن السفر. لم أكن أعلم إن كان عليّ اخباره بالذي حصل خوفًا مِن أن يذهب إلى فؤاد ويُبرحه ضربًا. ولكنّ زوجي صبّ غضبه عليّ:

ـ أخبرَني فؤاد أنّكِ طردته مِن منزلي… هل فقدتِ صوابكِ؟ فؤاد صديق الطفولة!

ـ لقد قلّل مِن إحترامي…

ـ قلّلَ مِن احترامكِ؟ ومَن تظنّين نفسكِ؟ ملكة إنكلترا؟ لا يملك أحد الأفضليّة على أصدقائي، خاصة أنتِ!

ـ كيف تكلّمني هكذا؟ جاء صديقكَ إلى هنا أثناء غيابك وبدأ بالتحرّش بي فطرَدتُه!

ـ لا أصدّقكِ! وحتى ولو حصل ذلك فعلاً… أنا متأكّد أنّكِ التي شجّعته! أنتِ مثل الباقيات… نشلتكِ مِن القلّة… كان عليّ السماع من أمّي!

ـ لم أقترف أيّ ذنب… وللحقيقة لستُ سعيدة معكَ وأكره كلّ مَن تعرفه… أنا امرأة متعلّمة ولا أحد منكم يملك شهادة كشهادتي… أبي طبيب جرّاح وأمّي عالمة فيزياء… سأعود إلى بلدي لأنّني أفضّل أن أعيش في القلّة على أن أُهان!

وركضتُ إلى الغرفة فملأتُ حقيبة وخرجتُ مِن البيت متّجهة إلى المطار حيث استقليت طائرة إلى أوكرانيا.

إستقبلَني أهلي بالأحضان، وما لبثت أن حصلتُ على طلاقي بسرعة فاءقة لِشدّة رغبة غازي في إنهاء زواج متعب بنظره.

وعلِمتُ مِن صفحته على فيسبوك أنه تزوّج بعد أشهر قليلة مِن إبنة بلَده. نعم، لقد فعَلَ ما انتظر مجتمعه منه أن يفعل بدون أن يسأل إن كانت تلك الفتاة حقًا مناسبة له.

أمّا مِن ناحيتي، فوجَدتُ لِنفسي رجلاً أوكرانيًا. أحبّبته كثيرًا وبادلني هذا الحب. وبالرّغم أنّه ليس ثريًّا فإنّه يكنّ لي، على الأقل، كلّ الإحترام والتقدير الذي استحقّه.