تجرّأتُ أخيرًا على رفض الذّل

هذه قصّتي… قصّة إمرأة أحبّت وكرهَت، صبرَت وثارَت… إمرأة أخطأت ولكنّها أصلحَت ما سبّبه صمتها وخوفها وحبّها لرجل لم يكن يستحقّ ذلك الحبّ. كنتُ ضحيّة جهل مجتمعي وجهلي أنا بالذات، لأنّني لم أتربّى على الدفاع عن نفسي ولم يُقل لي إنّ لدَيّ حقوقًا. طلبتُ أن تُكتب قصّتي لأثبت لكلّ امرأة أنّها تستطيع رفض واقعها والبدء مِن جديد.

نشأتُ مع أمّي وخالي بعدما تزوّج أبي مِن امرأة أخرى وتركنا. وبالرّغم مِن وجود خالي الدّائم، بقيتُ أفتقد لأب حقيقيّ وأملتُ أن أجد يومًا مَن يشعرني بالأمان الذي حُرِمتُ منه.

لم أكن لامعة في المدرسة، بالرّغم مِن حبّي للمطالعة الذي قادني إلى مسجد لتعلّم الفقه والدين. وهناك رأيتُ سعيد. وبالرّغم مِن أوضاعه الماديّة المتردّية، قبلتُ به زوجًا لي بسبب ما سمعتُه عن أخلاقه وسيرة حياته. ولكنّ الحقيقة كانت مغايرة، ولم أكتشف ذلك إلاّ بعدما تزوّجنا وعشنا مع أهله. وفي تلك الفترة، تعرّفتُ إلى وجه سعيد الحقيقيّ: كان إنسانًا منغلقًا لا يعرف التعبير سوى بواسطة الشتائم والضرب. وكان النقاش معه مستحيلًا لعدم قدرته على تقبّل آراء مخالفة لرأيه. وتفاجأتُ بأهله الذين كانوا معتادين ومتقبّلين لتصرّفاته العدائيّة ولم أحظ منهم بأيّ دعم كان.

فوجئتُ كثيرًا بالتباين بين ما رأيتُ منه في المسجد مِن تقوى وصلاة وبين جهله لأبسط مبادئ الدين، وأدركتُ رغم سنّي اليافع أنّني وقعتُ على منافق.

وفي ذلك الحين، تحمّلتُ عنفه فقط لأنّني أردتُ أن أشبع غريزة الأمومة التي كانت تأكلني: كلّ ما أرَدته كان طفلًا أحبّه وأرعاه. ولم أكن أعلم آنذاك أنّني سأجيء به إلى عالم من العنف والإهانة. إعتقدتُ أنّ سعيد سيتغيّر بعد أن يُصبح أبًا أو أنّ الله سيتدخّل لنؤلّف عائلة سعيدة كتلك التي قرأتُ عنها في الكتب.

وولِد إبني سامر بعدما انتقلنا للعيش في شقّة خاصة بنا.ووجدَ سعيد بسامر الضحيّة المثاليّة، لأنّه كان جبانًا يُفرغ غضبه على مَن هو أضعف منه. لن أدخل بتفاصيل تعنيفه لصغيري لكثرة بشاعة الأمر، ولكنّني أعترف أنّني لم أفعل ما بوسعي للدّفاع عنه. لماذا هذا التناقض بين حبّي لإبني وعدم تدخلّي بالذي كان يُعانيه؟

أظنّ أنّ السبب هو اعتقادي بأنّ زوجي سيتوب ويتوقّف عن إيذائنا، خاصة أنّه كان يطلب السّماح ويبكي بعد كلّ نوبة غضب ويُقسم لي أنّه لن يُعيد الكرّة. وأنا صدّقتُ كذبه واحتياله وكلامه الجميل، كلّما كان يُمارس الجنس معي ليُنسيني ما فعَله.

واكتشفتُ أنّ زوجي كان يتعاطى المهدّئات والمهلوسات، مما كان يزيد مِن عنفه الذي كان سببه في البدء نفسيًّا لكنه صار يتحوّل إلى إنسان شبيه بالحيوان المفترس. حاولتُ طبعًا التكلّم مع أهله عن الأمر، لكنّهم وصفوني بالكاذبة بالرّغم أنّهم عايشوه وكانوا على علم بحالته. كانوا بكلّ بساطة قد ارتاحوا منه ولم يكونوا مستعدّين لأن يرجع إليهم. أمّا خالي، فكان يطلب منّي أن أصبر وأن أصلّي كي يُهديه الله. ولم أطلع أمّي على ما كان يجري لي، لأجنّبها تحمّل مشاكلي بعدما عانَت مِن هجر أبي لها ومِن العيش بدون حبّ رجل. وهكذا وجدتُ نفسي وحيدة لا خيار أمامي سوى العيش في جحيم يوميّ.

وساءَت حالة سعيد، فبدأ يحرمني مِن كلّ شيء بعد أن رأى أنّني بدأتُ أدافع عن سام،ر وبات يحتجزني في البيت لأيّام بدون أكل أو شرب ليعود لإشباع رغباته الجنسيّة. إختبَرتُ الجوع مِن بعد الخوف، وكلّ ما كان يهمّني صحّة إبني الجسديّة والنفسيّة.

وكأنّ كلّ ذلك لم يكن كافيًّا، حمِلتُ مجدّدًا وأنجبتُ سامية وخفتُ عليها مِن الذي سيحصل لها. وذاقَت المسكينة ما ذاقه أخوها، ولم أستطع فعل شيء لإيقاف سعيد. وأصبح سامر ولدًا مشاغبًا يرسب في المدرسة ويُمارس الترهيب على رفاقه. أما ابنتي سامية فبدأت تمشي أثناء نومها. ونظرتُ إلى عائلتي بحزن عميق، وسألتُ نفسي لماذا يحصل لي كلّ ذلك. ألم أتبَع تعاليم الله؟ ألم أكن إنسانة طيّبة ومسامحة؟

خلتُ أنّ الخالق قد تخلّى عنّي، ولكنّه كان ينتظر منّي أن أستفيق مِن سباتي. ولأنّني لم أكن أتجاوب معه، أرسل لي أخيرًا إشارة صعبٌ تجاهلها. ففي ذات مساء، عاد سعيد إلى الشقّة مغتاظًا أكثر مِن العادة. وكان يجدر بي تفاديه مِن كثرة الشرّ الذي كان يتطاير مِن عينَيه، ولكنّني كنتُ قد وصلتُ إلى آخر حدود التحمّل. وحين بدأ يهينني بلا سبب ويصفني بشتى الألفاظ، طلبتُ منه ألاّ يفعل على الأقل أمام ابنتنا التي كانت قد بلغَت التاسعة مِن عمرها. نظَرَ إليّ بتعجّب لأنّه لم يكن معتادًا أن أواجهه، ثم ضحِكَ ودخل المطبخ حيث كنتُ أحضّر العشاء وأخَذَ القدر الساخن ورمى محتواه عليّ وخرَجَ.

أصبتُ بحروق بالغة إستلزمَت ذهابي إلى المستشفى. أخذتُ سيّارة أجرة وأوصلتُ ولدَيَّ إلى أمّي وتوجّهتُ للمعالجة. وحين اكتشفتُ مدى إصابتي، قرّرتُ أن أقف بوجه هذا المعتدي الكريه. قدّمتُ طلب خلع سرًّا، وعدتُ إلى البيت حيث كان سعيد بانتظاري. أراد الوحش أن يُقيم علاقة معي وأنا ملفوفة بالضمادات. وأعترف أنّني لم أكره إنسانًا في حياتي كما كرهتُه في تلك اللحظة.

وانتظرتُ حكم الخلع بفارغ الصبر، وخفتُ أن يقتلني قبل أن أذوق طعم الحريّة. كنتُ قد أبقيتُ ولدَيَّ عند أمّي متحجّجة لدى سعيد أنّ المسكينة مريضة وتريد رؤية حفيدَيها، ولها قلتُ إنّني بحاجة إلى وقت نوعيّ مع زوجي.

كنتُ مستعدّة أن أفدي ابني وابنتي بروحي إن قرّر اللعين أن ينتقم منّي. وحصلتُ أخيرًا على الخلع ولكن لم ينصفني قانون بلدي الذي كان غير عادل مع المرأة.

وفور استرجاعي لحريّتي، عاودتُ الدراسة ونجحتُ في البكالوريا بعد سنين طويلة على تركي العلم. ومِن ثمّ دخلتُ الجامعة لأدرس الصحافة وأفضح ما يحصل في مجتمعنا مِن تعدّيات على المرأة، آملة أن أغيرّ شيئًا في نظامنا الذكوريّ الذي لا يرى مانعًا من أن تُضرب المرأة ويعتبر ذلك جنحة بسيطة وليس جريمة بحق الإنسان.

وفي هذه الأثناء، علِمت أمّي حقيقة حياتي الزوّجية وبكَت كثيرًا على ما عشتُه في صمت تام. وأخَذَت على عاتقها أن تهتم بولَديَّ أثناء تكميل علمي، الأمر الذي ساعدَني في بلوغ هدَفي.

وبقي عليّ إصلاح الأضرار التي حلّت بِسامر وسامية، فكلّ شيء بتصرّفاتهما كان يدلّ على أنّهما لن يُصبحا شخصين متوازنَين ولن يحظيا بحياة طبيعيّة.

ما حصل لهما كان ذنبي، لأنّني أنا التي أخترتُ أباهما، وأنا التي سكتُّ على الأقل في البدء على تعنيفهما، وأنا التي بقيتُ مع ذلك الوحش الضاري. وتكلّمتُ مع أستاذ علم نفس يُدرّس في الكليّة، وشرحتُ له الوضع فتكفّل بِمعالجة ولدَيّ بدون مقابل إذ لم يكن لدَيّ المال الكافي لِتسديد أتعابه.

ومع الوقت، أصبح سامر أكثر هدوءاً وسامية أكثر توازنًا، واستطعتُ التطلّع إلى الحياة بِتفاؤل. كلّ ما أريده هو أن يكبر ولدَاي في عالم خال مِن الوحشيّة، حيث تسود العدالة الإجتماعيّة ويأخذ كلّ انسان ثوابه أو عقابه.

أنا اليوم أكتب في جريدة معروفة تحت إسم رجل كي يصل صوتي إلى أكبر عدد ممكن، الى حين أستطيع إثبات رأيي ووجودي كامرأة.

لقد عبرتُ مِن القهر والعذاب إلى الضوء، ولن أنظر ورائي بعد الآن، فالماضي مات لحظة أخذتُ زمام حياتي بيدي.

وأبتسم كلّما أرى حروقي في المرآة، لأنّني أعتبرها أوسمة عُلِّقَت لي مكافأة على شجاعتي وإقدامي على تغيير واقعي.