عانَيتُ مِن مرض فقدان الشهيّة

كيف يصلُ بنا الأمر إلى عدم رؤية ما هو فاضح للعيان ونتجاهل صرخات إغاثة جسدنا؟ ربما لأنّ أصعب شيء في الحبّ هو أن نحبّ نفسنا. لِسنين طويلة، لم أنَم ليلة بكاملها لِكثرة خوفي مِن أن أفقد السيطرة على جسدي خلال نومي، وأن يسمَن مِن دون انتباهي. لِذا كنتُ أنهَض مِن الفراش مرّات عدّة لأتفقّد وزني: 45 كلغ لِـ 1.70سم.

كنتُ مهووسة بِوزني، وكنتُ أجد نفسي سمينة بِنظري، وكان هناك دائمًا دهنٌ فائض على عظامي عليّ محاربته.

عندما كنتُ مراهقة، كنتُ أتمتّع بصّحة جيّدة وكيلوات ملحوظة كما حال أمّي. وهذا الأمر كان يزعجني مِن الداخل، وخاصة مِن الخارج حين كنتُ أذهب لِشراء ثياب جديدة. وبعد حميات عدّة باءَت بالفشَل، وجدتُ أخيرًا الحل: بما أنّ السّمنة تأتي مِن الأكل، فكلّ ما كان عليّ فعله كان التوقّف عن الأكل ما عدا القليل للبقاء على قَيد الحياة.

وبالطبع، لم أطلِع أحدًا على خطّتي، عالمة أنّني سأواجه التأنيبات لا بل محاربة شرسة، خاصة مِن والدتي التي كانت تتباهى بِطبخها وبِسهرها على تغذية عائلتها.

لِذا بدأتُ أقطّع أكلي قطعًا صغيرة جدًّا، وآكلها ببطء لأوحي أنّني آكل كباقي الموجودين معي على المائدة، لأذهب لاحقًا وأرمي ما تبقّى مع الحرص على ألاّ يراني أحد.

في المدرسة، كنتُ أعطي ما حضّرَته لي أمّي إلى زملائي، ما سبّب لي صعوبة بالتركيز على شرح الأساتذة. وكنتُ أقول لِنفسي إنّها مرحلة مؤقّتة، وأنّني سأعتاد وأتأقلم مع هذه العوارض المزعجة وأنّ النتيجة تستحق هذا العذاب.

ولكنّ ضعفي بدأ يظهر للعيان، وبات مِن المستحيل إخفاء عظامي البارزة حتى تحت أسمَك الثياب. ودَبَّ الهمّ في قلب أمّي وكلّ مَن عَرِفَني، وأخذوا جميعًا بإقناعي بالأكل لأستعيد وزني. ولم أكن أفهم سبب قلقهم، لأنّني كنتُ أشعر أنّني بألف خير. صحيح أنّني كنتُ أعاني مِن الإمساك، وأنّني كنتُ دائمًا أشعر بالبرد وأنّ أطرافي كانت حمراء بسبب دورة دمويّة سيّئة، ولكن كلّ ذلك كان ثانويًّا بالنسبة إليّ. ألاّ يُقال إنّ الجمال لا يأتي مِن دون عذاب؟ وكان أجمل ما رأيتُه هو شكلي في المرآة حين كنتُ أقف عارية أمامها. كنتُ قادرة حتى على رؤية كل عظمة مِن عظامي وعدّها. صحيح أنّني وفي سنّ الـ 23 كان لدَيّ ترهّل في الثدَّيين وبشَرَة جافة ومجعّدة ودَورة شهريّة شبه مقطوعة، ولكنّني كنتُ أشبّه نفسي بعارضات الأزياء اللواتي تمشَين بفخر على منّصات أشهر مصمّمي الأزياء.

ورغم كلّ ذلك، كنتُ واثقة من أنّني أستطيع تنقيص وزني بعد.

وبالطبع، لم يكن لدَيّ حياة عاطفيّة، فمَن سيرضى بهيكل عظميّ متحرّك… ولكنّ بالي كان مطمئنًّا: عندما أصل إلى الوزن الذي حدّدتُه لِنفسي، سيرمي الشبّان بأنفسهم عليّ فخورين أن يمشوا إلى جانب فتاة بِنحافتي.

وابتعدَ الجميع عنّي، لأنّني كنتُ أوحي لهم بالموت ولا أحد يُحبّ رؤية الموت أو التعاطي معه. ولم يتبقَّ لي سوى أفراد عائلتي الذين كانوا ينظرون إليّ بحزن.

والذي كان مقدّرًا أن يحصل حصل. ففي ذات يوم، وقعتُ وكسرتُ رجلي. وعندما أخذوني إلى المستشفى، وقفَت الممرّضات أمامي مذهولات. وركضَت إحداهنّ لتأتي بطبيب نظَرَ إليّ هو الآخر بحزن عميق:

ـ ما الذي فعَلتِه بِنفسكِ، يا ابنتي؟

ـ لقد وقعتُ… لا أدري كيف ولماذا…

ـ وقعتِ مِن سوء التغذية وانكسَرَت رجلكِ لقّلة صلابة عظامكِ… سرعان ما ستبدأ أعضاؤكِ بالتوقّف، وسيكون همّكِ أكبر مِن رِجل مكسورة… سنهتمّ بكِ… لا تخافي.

ـ إن كنتَ تنوي إعادة الكيلوات التي خسرتُها إلي فلَن أقبلَ معكَ.”

وبعد أن اهتموّا برجلي، وضعوني في غرفة وأرسلوا لي طبيبة نفسيّة.

وعندما علِمتُ ما كان اختصاصها، قلتُ لها:

ـ لا تضيّعي وقتكِ، يا دكتورة… أنا لا أشكو مِن شيء.

ـ بلى… وهنا يكمن الخطر… أن تخالي أنّكِ سليمة نفسيًّا… إسمعي… لن أجبركِ على شيء… كلّ ما أريده منكِ هو أن تجيبي على أسئلتي… هذا كلّ ما في الأمر… إتفقنا؟

ـ لن ترغميني على الأكل؟

ـ أبدًا… لقد علّقوا لكِ المصل وسيكفي ذلك لإبقائكِ على قيد الحياة.”

وبدأنا جلسات المصارحة، وسردتُ لها حياتي منذ ما كنتُ صغيرة. وكانت الطبيبة تقاطعني لِتسألني عن شيء إستوقَفَتها لتنير الضوء عليه وتحملني على التفكير به. وفي هذه الأثناء، شرحَت لي أنّ الإنسان يأكل ليبقى على قيد الحياة لا ليكتسب الوزن. وأرَتني صوَرًا لأطفال يعيشون في أماكن فقيرة مِن الكرة الأرضيّة. ولاحظتُ عظامهم البارزة وسوء تغذيتهم الفاضح. ثمّ قالَت لي:

ـ هل مِن المقبول أن يبقى هؤلاء الأطفال هكذا؟

ـ بالطبع لا!

ـ صفي لي ما ترَين…

ـ عظام ويأس في عيونهم.

وأخذَت الطبيبة مرآة ووجهّتها إليّ:

ـ والآن ماذا ترَين؟

ـ عظامًا ويأساً…

ـ وهل مِن المقبول أن تبقي هكذا؟

سكتُّ مطوّلًا أنظر إلى نفسي، ووجدتُ أنّ ما أراه هو ما رأيتُه عند هؤلاء المساكين:

ـ لا…

ـ ستموتين… أجل، لن تعيشي… تدّعين أنّكِ تُنقصين مِن وزنكِ لِتشبهي العارضات ولكنّ الحقيقة مخالفة… تُنقصين مِن وزنكِ كي لا تشبهي أهلكِ.

ـ هذا ليس بصحيح!

ـ بلى… لقد استمعتُ إليكِ لأيّام… ترفضين عائلتكِ وأفرادًا منها ولا تريدين أن تصيري مثلهم… ما الذي لا يُعجبكِ فيهم؟ مَن الذي ترفضين أن تتماثلي به؟

ـ أمّي…

ـ لماذا؟ مّما تشكو أمّكِ؟

ـ إنّها ضعيفة الشخصيّة… الكلّ يستغلّها وهي لا تقاوم…

ـ مَن يستغلّها؟

ـ الكل… وأبي… يصرخ قيها ويقول لها إنّها مِن دون منفعة مع أنّها تبذل جهدها…

ـ ولا تريدين أن تصبحي مثلها… لِذا مَزجتِ شخصيّتها بشكلها… هي الأخرى سمينة… واعتقدتِ أنّكِ إن نحفتِ ستكونين مختلفة… الطريقة الوحيدة لتبتعدي عن ضعف أمّكِ، هو أن تبدأي بحبّ نفسكِ… ولا أرى ذلك عندما أنظر إليكِ… أرى كرهًا عميقًا.

ـ لا! بل أحبّ نفسي كثيرًا!

ـ أثبتي لي ذلك…”

وكبسَت على زر، ودخَلت ممرّضة فطلبَت منها الدكتورة أن تأتي لي بوجبة خفيفة جدًّا. وضعَت الصينيّة أمامي وقالت:

ـ في هذا الصّحن يوجد الحبّ… كليه ليدخل إلى قلبكِ مِن خلال جسمكِ… كلي جزءاً منه ولكن كلي… لن تصبحي مثل أمّكِ لأنّكِ لستِ أمّكِ… أنتِ دلال وهي سلمى… كلي لتنتصري على ضعف أمّكِ وعلى ضعفكِ.”

ونظرتُ إليها بخوف. ماذا لو كانت تلك المرأة تكذب عليّ؟ علمَت الطبيبة ما يدور برأسي فقالت:

ـ لن أخذلكِ… أعلم ما أفعله… وإن ندمتِ يُمكنكِ معاودة مقاطعة الأكل.”

وأكلتُ بضعة ملاعق، وكنتُ خائفة جدًّا. ولكنّني استذوقتُ ما أكلتُه وكأنّني آكل لأوّل مرّة. وابتسمتُ لأنّني شعرتُ بأن شيئًا بداخلي كان قد تغيّرَ. كنتُ قد أدركتُ أنّني أحارب ضعف أمّي بدلًا منها وأنّ تلك المعركة لم تكن معركتي.

وبعد أسابيع، خرجتُ متعافية مِن المشفى. كنتُ قد أكتسبتُ بعض الوزن، واستعدتُ ما يكفي مِن قوّة للعودة إلى البيت. أعطَتني الطبيبة حِمية أتبعها وشكرتُها بحرارة على إنقاذ حياتي.

وكانت الطبيبة قد اجتمعَت مع أهلي أيضًا، وأفهمَت والدَيّ أنّهما سبب مرضي النفسيّ، وأنّ عليهما تسوية أمورهما إن كانا يُريدان أن أعيش.

أنا اليوم أمٌّ لولَدَين، وأتمتّع بصحّة جيّدة، خاصة بعد أن أصبح وزني يفوق المعدّل، الأمر الذي لم يعد يُزعجني بل أصبحَ يُعجبني ويُعجب زوجي.