أراد أخي وزوجته إستغلالي

عندما وُلِدَ أخونا قالَت لنا أمّي:

ـ جاء مَن سينتبه إليكما ويحميكما عندما نكبر أو نترك هذه الدنيا.”

والحقيقة أنّني فعلًا رأيتُ بِنجيب العنصر القويّ، بالرّغم أنّه كان يصغرنا أنا وأختي بخمس وستّ سنوات. ولكن أخي، وكما يجري عادة في المجتمعات الشرقيّة، حظيَ بالإهتمام والدلال المخصّص للفتيان، وذلك فقط لأنّه سيحمل يومًا إسم العائلة. ولم يهتمّ أحد لِمعرفة إن كان سيكون جديرًا بهذا الإسم أم لا.

وأصبحتُ أنا وأختي نعمل على راحة هذا الذكر، واعتادَ ألّا نرفض له طلبًا. وإن كنّا نفعل، كنّا نسمع ما يلي:

ـ كيف تجرئين على إزعال أخيكِ؟ ليس لديكِ سواه… عندما تكبرين ستعلمين قيمة الأخ… سيكون أباكِ الثاني.”

ولكن مع السنين، تبيّن للجميع عدم قدرة نجيب على تحمّل أيّة مسؤوليّة. ولا ألومه بل ألوم الذين لم يُعلّموه كيف يُصبح رجلًا بكلّ معنى الكلمة.

وبسبب كلّ ذلك الدّلال، لم يفلح أخي بالمدرسة أو حتى بالجامعة لاحقًا، وكان ذلك مؤسفًا لأنّني لم أحظَ بفرصة دخول أيّة كليّة تحت ذريعة أنّني لستُ بحاجة إلى إكمال تعليمي، لأنّ مصيري أنا وأختي كان الزواج والإنجاب على خلاف نجيب الذي كان سيحمل مسؤوليّة عائلته المستقبليّة وعائلتنا إن احتجنا إلى ذلك. وكلّ المال الذي صرفَه أبي عليه ذهب سدىً، لأنّ أخي كان مهتمًّا بالفتيات أكثر مِن الدرس. وبالطبع، إشترى له والدي سيّارة تحت شرط أن يوصلني وأختي أينما نريد، ولكنّنا لم نركب معه سوى مرّة أو إثنَتَين لِكثرة مشاويره مع أصدقائه وصديقاته.

وبالطبع، شعرتُ بالغبن ولكنّني كلّما حاولتُ تبيان لِوالدَيَّ أضرار تربيتهما، كنتُ أجابَه بالإنتقادات والإتهامات بالغيرة.

ووجدتُ عملًا في محل للألبسة، وأختي عند طبيب أسنان تجيب على الإتصالات وتأخذ المواعيد. أمّا نجيب فلم يجد أيّ عمل يليق به حسب قوله.

وشاءَت الظروف أنّني تعرّفتُ إلى شاب لطيف يملك الصفات التي افتقدتُها في أخي وحتى بأبي، فأسرعتُ بالزواج به آملة أن أشعر بالأمان الذي وُعِدتُ به. ولم يخذلني زوجي، فكان تمامًا كما تصوّرته أن يكون، وأنجبنا طفلة جميلة أسميناها سارة وكانت حياتي هنيئة. ولكن لم يكن مقدّرًا لي أن أبقى سعيدة. فلم تبلغ إبنتنا السنة إلى أن مات أبوها بحادث سيّارة. وفقدتُ الذي أحببتُه واحترَمتُه وأتّكِلت على حكمته. وبكيتُ فترة طويلة قبل أن أستوعب فعلًا أنّه رحَلَ مِن دون عودة.

وكان نجيب قد تزوّج هو الآخر مِن سهام، فتاة تشبهه، وعاشا في شقّة صغيرة بعدما اضطرّ للعمل في مستودع أدوية خلال الليل.

ولكنّ عمله لم يكن كافيًا لتلبية طلبات زوجته المتكاثرة، خاصة وأنّها اعتقَدَت أنّه مقتدر بعدما رأت سيّارته الجميلة وسمعَت أقاصيصه عن قدرته على جلب المال. وعندما سكنَت معه بالإيجار في شقّة حقيرة، بدأَت تهدّده بالرحيل. عندها وعَدَها بأنّه لن يُنقص شيئًا عليها، وبدأ يسرق مِن المستودع ويبيع الأدوية في السوق السوداء. وبالطبع، لم تسأل سهام أخي مِن أين كان يأتي بالمال، لأنّها لم تكن تبالي إلاّ بالمال الذي كانت تحصل عليه لِشراء الملابس الجميلة والحلى وكلّ ما يُمكنه أن يدلّ على الرخاء.

أمّا بالنسبة إليّ فكان عليّ أن أعاود العمل كي أطعم صغيرتي، لِذا قرّرتُ وضعها عند أهلي. ولكنّني تفاجأتُ بقرارهما بالعودة إلى البلدة والسّكن هناك بِصورة دائمة. واحتَرتُ في أمري، لأنّني كنتُ أعلم أنّني لن أجد عملًا في ذلك المكان، خاصة أنّ أختي كانت قد حصَلت على العمل الوحيد المناسب، أي عند المختار. لِذا طلبتُ مِن أبوَيّ الإهتمام بأبنتي بينما أعمل في المدينة وأسكن عند أخي. وكنتُ قلقة لردّة فعل نجيب وسهام، ولكنّهما قَبِلا بِسرعة فائقة. وكان يجدر بي أن أنتبه إلى ذلك الحماس مِن أخ لم يُبدِ يومًا إهتمامًا بي، ومِن زوجة أخ لم ترَني سوى مرّة أو إثنَتَين. ولكنّني رأيتُ في الأمر دليل محبّة بعدما أصبحتُ أرملة وأمّاً.

وسكنتُ في تلك الشقّة الصغيرة، أنام على أريكة قديمة وغير مريحة وأذهب في الصباح إلى العمل عند طبيب الأسنان ذاته الذي وظّفَ أختي قبل أن تتركه لِتلحق بأبوَينا. وكان راتبي جيّدًا، ليس فقط بسبب نوعيّة عملي أو أدائي، بل لأنّ الطبيب كان إنسانًا طيّبًا يُقدّر ظروف الناس ويُحاول مساعدتهم. فبالنسبة إليه، كنتُ بحاجة إلى المزيد للإعتناء بطفلتي والتعويض عن عدم وجود زوج يدخل علينا بما يجنيه. لكنّ نجيب كان يطمع بذلك الراتب، ورأى أنّ مِن واجبي مساعدته هو وزوجته التي كانت تجلس طوال النهار والمرآة بيدها تنظر إلى نفسها، محاولة إيجاد جميع الطرق لزيادة جمالها. وذات مساء، عندما كنّا جالسين على العشاء، قال لي أخي بوجود زوجته:

ـ أختي… أهلًا وسهلًا بكِ، ولكن…ألاّ ترَين أنّ عليكِ المشاركة في المصاريف؟

ـ ماذا تعني؟ لا يمرّ يوم إلا وأجلب معي طعامًا مِن السوبر ماركت.

ـ أجل ولكن هذا ليس كافيًا… لو سكنتِ في مكان آخر لكان عليكِ دفع ايجار… أليس كذلك؟

ـ صحيح… ولهذا السبب أنا هنا… لأنّني لا أستطيع صرف هذا المبلغ… لا تنسَ أنّني أعطي جزءاً مِن راتبي لأهلنا كي يصرفوه على إبنتي.

ـ والجزء الآخر؟

ـ الجزء الآخر مخصّص لِمدرسة سارة.

ـ لا تزال صغيرة للذهاب إلى المدرسة… لِما العجلة؟

ـ ماذا تريد؟ قل لي.

عندها قالَت سهام:

ـ ما يُحاول قوله أخوكِ أنّ عليكِ دفع بدلٍ لمكوثكِ هنا وإلاّ سنضطّر للعيش مِن دونكِ.

ـ ماذا؟ هل هذا صحيح يا نجيب؟ ترميني خارجًا؟ أنتَ أخي الوحيد!”

تدخّل نجيب قائلًا:

ـ لا أريد رميكِ خارجًا، ولكنّ ظروفنا ليست جيّدة… لقد أساءَت سهام التعبير… لا نطلب الكثير ولكن شيئًا بسيطًا… نحن أيضًا في ضيقة.

وأسفتُ كثيرًا على معاملة أخي لي، خاصة أنّني كنتُ أفعل المستحيل كي لا أضايقه هو وزوجته. فبينما كنتُ في عملي خلال النهار، كان نجيب في بيته مع سهام. وعند عودتي، كان هو يذهب إلى المستودع. وهكذا لم أكن أبدًا أقف بِدرب حياتهما الزوجيّة، ناهيك عن مساعدتي لِسهام في تنظيف الشقّة. لكنّي بدأتُ أعطيه قسمًا مِن راتبي، وأحرم نفسي مِن كلّ شيء كي أستطيع وضع القليل جانبًا لِسارة. حاولتُ التكلّم مع أبوَيّ ولكنّهما دافعا كالعادة عن إبنهما:

ـ أخوكِ على حق… عليكِ المشاركة.

ـ ولكنّه أخي! كيف له أن يستغلّني هكذا؟ ألا يكفي أنّني أحضر إليهما كل يوم بالحاجات والمشتريات كي لا يشعر بأنّني عبء عليهما؟”.

ومضَت بضعة أسابيع هكذا حتى فاتحَني أخي بما يدور في رأسه:

ـ أختي… لو تعلمين كم أحبّكِ… صحيحٌ أنّني لستُ مِن النوع الذي يُفصح عن مشاعره ولكنّ عاطفتي تجاهكِ قويّة… وبالي مشغول عليكِ فأنتِ لا تزالين شابّة ويحقّ لكِ أن تعيشي حياتكِ…

ـ ماذا تريد يا نجيب؟

ـ مديري… لقد رآكِ وسألني عنكِ ويُريد التقرّب منكِ.

ـ شكرًا، أخي، على خوفكَ عليّ ولكنّني لا أنوي الزواج مجدّدًا.

ـ ومَن تكلّم عن الزواج؟ مديري متزوّج ولديه عائلة… ولكنّه مستعدّ أن يهتمّ بكِ… إنّه ثريّ جدًّا… سيفتح لكِ شقّة ويصرف عليكِ…

ـ وأنت؟ ماذا ستنال مِن تلك الصفقة؟

ـ أنا؟ لا شيء… قد أحصل على ترقية وزيادة في راتبي…

ـ تبيعني يا نجيب؟ تريدني أن أصبح عشيقة مديركَ؟ كم أنتَ سافل! إخجل مِن نفسكَ يا رجل! أفضّل الموت على أن أتنازل عن شرفي!

ـ إسمعي… المسألة أهمّ بكثير… كيف أقول لكِ ذلك… أخذتُ بضاعة مِن المستودع… ولقد علِمَ مديري بالأمر وواجهَني وهدّدَني بِفضح أمري، فقلتُ له إنّ لدَيّ اختًا جميلة… وتعرفين الباقي.

ـ سأرحل الآن ولن أعود إلى منزلكَ الوسخ! أنتَ كسول وجبان وسارق وبلا شرف! لما لم تبِعه زوجتكَ المصون؟

ـ زوجتي؟ هل فقدتِ عقلكِ! إنّها عرضي!

ـ أمّا أنا فلا؟ يا ليتكَ لم تولد!

ـ ستخبرين أهلنا؟

ـ لا! سيختلقان لكَ الأعذار كالعادة ولن يقفا إلى جانبي… إن كنتَ مجرّدًا مِن أي ذرّة أخلاق فهما السّبب… سأذهب إليهما وآخذ إبنتي وأجد مكانًا أعيش فيه بعيدًا عنكم جميعاً… وسأحاول إقناع أختي بالرّحيل معي.
ـ لا! أتركيها لي! فلقد أخبَرتُ مديري عنها أيضًا.

ـ إن اقتربتَ منها سأشتكيك ومديركَ للسّلطات… أجل… بتهمة السرقة وتسهيل الدّعارة… إيّاكَ أن تغضبني، يا نجيب… إيّاك! لا تخلْ أنّني غير قادرة على أذيّتك… إبتعِد عنّا وإلّا ستندَم!”

وتركتُ المكان متّجهة إلى بيت والدَيّ، حيث أخذتُ إبنتي وأختي إلى المدينة. وبالمال الذي وضعتُه جانبًا، إستأجرتُ غرفة وبقيَت أختي مع سارة بينما كنتُ أذهب إلى العمل في العيادة. وبعد أن حان وقت دخول إبنتي إلى المدرسة، إستطاعَت أختي العمل بِدورها. أمّا بالنسبة إلى نجيب، فقد دخَل السّجن بعدما أفرَطَ في السرقة وفُضِحَ أمره. وسارعت زوجته إلى تركه لِتجد مَن يُؤمّن لها مصاريفها. أمّا أنا فلم أتزوّج حتى الآن، لأنّني لم أجد مَن باستطاعته الحلول مكان زوجي، على خلاف أختي التي حظيَت برجل طيّب ورُزقا بولدَين رائعَين.