كرهَتني عائلتي منذ ولادتي

كرهَني أهلي منذ لحظة مجيئي إلى الدنيا. كانت أمّي قد حَمِلت بي بدون قصد، وكان أخي الأصغر يكبرني بخمس عشرة سنة. قد يعتقد البعض أنّني، وكإبنة وحيدة، سأكون محطّ انتباه الجميع، وأنّني سأتدلّل وأعيش كالأميرة وسط 3 أخوة ولكنّ حصل العكس تمامًا. رأوا فيّ منفذاً لِغضبهم أو وسيلة لِراحتهم، فأصبحتُ أخدمهم مِن الصّباح حتى المساء وسط الشتائم والإهانات. ومِن ثمّ سئموا منّي، فبعثوني عند جدّتي ونسوا أمري. ما سبب هذه المعاملة؟ حتى اليوم لم أجد جوابًا على هذا السّؤال.

وعندما أصبحتُ راشدة، تركتُ جدّتي التي لم تحبّني فعلاً بل رأت فيّ هي الأخرى عبئاً ومسؤوليّة لم تكن قد طلبَتها. وكي تريح ضميرها، أعطَتني العجوز بعض المال وأوصَتني بألاّ أعود. وسكنتُ في بيت للفتيات، ورغم بشاعة المبنى والأثاث كنت قد وجدتُ مكانًا أكثر دفئًا مِن منزل أهلي.

ومِن بعدها بحثت عن عمل كي أستطيع العيش بكرامة، وكلّ ما وجدتُه كانت حانة مظلمة يتردّد إليها سكّان الليل. صحيح أنّني لم أكن مرتاحة في ذلك المكان، ولكنّني كنت مصمّمة على كسب قوتي كي لا أضطر للعودة إلى ذويّ. وبقيتُ محافظة على كرامتي واستقامتي رغم وجود هؤلاء الزبائن الذي لم تردعهم عنّي سوى شدّة إرادتي.

وبعد حوالي الستّة أشهر، دهشتُ برؤية أحد أخوتي في الحانة. كان باسم الأكثر عداءً لي، وخفتُ أن يكون قد أتى لإجباري على العودة. ولكنّه جاء مبتسمًا وتكلّم معي بِمحبّة ولطف على غير عادته.

بالطبع وجدتُ الأمر مريبًا، وكنتُ على حق لأنّه كان قد أتى لأخذ المال. ولأنّني كنتُ ساذجة وبريئة، تقاسمتُ معه القليل الذي كان لدَيّ. وشكرَني باسم وقبّلني بقوّة وامتلأَت عينا بالدموع، لأنّها كانت تلك أوّل مرّة يلمسني فيها أحد أفراد عائلتي. وفي تلك الليلة، نمتُ والبسمة على شفتيّ، وحلِمتُ أنّني عدتُ إلى أهلي وسط التصفيق والزغاريد، وأمّي تركض إليّ وتعانقني باكية.

وغاب باسم وأتى بعد شهر أخي الثاني. وتكرّر المشهد نفسه، أي الكلام الجميل والبسمات. وعلِمتُ طبعًا أنّ وائل قَدِمَ هو الآخر مِن أجل مالي. وأعطَيتُه ما أراد، وبدأ هو وباسم بالتناوب عليّ. وحده أخي الثالث لم يأتِ، لأنّه كان خارج البلاد آنذاك. ولم يبقَ لدَيّ سوى ما يكفي كي لا أموت جوعًا ولا أُرمى خارج بيت الفتيات. وحين كنتُ أحاول التهرّب مِن الدفع لأخويَّ، كانا يستعملان حججًا كمرض أمّي المزعوم أو كبر سنّ أبي الذي كان يمنعه مِن العمل. وعندما سألتُ باسم لماذا لا يُساعد هو وأخواه والدَينا كان يُجيبني بأنّه يفعل ولكن الإهتمام “بالعجوزَين” كان مكلفًا. أمّا الذي دفَعني إلى المشاركة في مصاريفهم جميعًا، فكانت إرادتي للإنتماء إليهم لأشعر أنّني فعللاً إبنتهما وأختهم.

لذا فتشت عن عمل ثانٍ كي أكون أكثر إفادة.

ولكنّني علمتُ في ذات يوم أنّ وائل تزوّج بدون أن يدعوني. وعندها أدركتُ أنّني لن أكون يومًا فردًا مِن العائلة، خاصة أنّه قال لي عندما أتى لأخذ المال:” كان الفرح بسيطًا… العائلة فقط كانت موجودة.”

وقرّرتُ أنّ أتوقّف عن الدفع، وكل المحاولات لإقناعي باءَت بالفشل. كنتُ قد صمّمتُ فعلاً على أن أنسى هؤلاء الناس البشعين وأقلب الصفحة نهائيًّا.

وفي ذات ليلة، حين كنتُ في الحانة، إتصَلت بي إحدى فتيات الفوايي لِتعلمني بأنّ باب غرفتي خُلِعَ وبأنّ جميع أمتعتي اختفَت! وحين ركضتُ لأرى مدى الأضرار، تفاجأتُ كثيرًا لأنّ السارق كان قد أخَذَ فعلاً كلّ شيء: التلفاز والسجادة وملابسي ومدخّراتي التي كنتُ أخبّئها في علبة صغيرة. وحسب قول الفتاة، كان أخواي متواجدَين في المبنى قبل برهة. أجل، لقد قام أفراد عائلتي بِنهبي.

وامتلأ قلبي بالغضب، وأسرَعتُ إلى أقرب قسم للشرطة لأبلّغ عن باسم ووائل لزجّهما في السّجن. ولكن أثناء انتظاري في قاعة الجلوس، هدأتُ بعض الشيء وأدركتُ أنّني بدأتُ أشبههم، أي أنّني أصبحتُ سيئّة كأهلي فأنا لم أكن أريد أبدًا أن أحقد على أحد. وشعرتُ بوحدة تامّة وبدأتُ بالبكاء. عندها اقتربَ منّي أحد المحقّقين وسأَلني عن سبب وجودي في القسم.

وأخبرتُه قصّتي مِن لحظة ولادتي فاستمع إليّ بِصمت. وأضفتُ أنّني لا أريد أن أشتكي ضد أخوَيّ لِذا قال لي:

ـ آنستي… لا تخالي أنّ مشاكلك انتهَت… المفترس لا يبتعد عن فريسته مطوّلاً… سيعودان… أتكلّم مِن منطلَق خبرتي بأناس مثلهما… إسمي جمال… خذي رقمي ولا تتردّدي بالإتصال بي إن حدَثَ أيّ شيء… أيّ شيء!”

ومضَت حوالي العشرة أيّام ولم يظهر أخوَاي، فاتصلتُ بالمفتّش لأشكره على اهتمامه ولأقول له إنّ لا داعي أن يشغل باله بالموضوع فَمِن الواضح أنّ باسم ووائل قرّرا تركي وشأني. عندها دعاني جمال إلى التلاقي في مقهى للتكلّم بالموضوع. وقبِلتُ بسرعة لأنّني كنتُ أجده جذّابًا ولأنّه كان أوّل إنسان يهتمّ لأمري. هو الآخر كان معجبًا بي، فبعد هذا اللقاء تواعدنا عدّة مرّات.

وولِدَ بيننا حبّ جميل وصادق، وكنتُ سعيدة كلّما رأيتُه أو سمعتُ صوته عبر الهاتف. وعلِمتُ في قرارة نفسي أنّني وجدتُ فعلاً رجلاً حقيقيًّا على عكس أبي وأخوتي الذين استغلّوني منذ ولادتي.

وبعد حوالي الشهر، وبعدما ودّعتُ جمال بعد حفل عشاء وصعدتُ إلى غرفتي، رأيتُ أخوَيّ ينتظراني أمام بابي. وقال لي باسم:

ـ هيّا! أعطنا كلّ ما لديكِ!”

ودفعَني وائل بقوّة إلى الداخل. وأعترف أنّني خفتُ كثيرًا، فقد كانا في حالة غضب شديد، وندِمتُ لأنّني أكّدتُ لجمال أنّ لا خوف مِن أن يعودا. وفتّشا غرفتي ولم يجدا شيئًا، خاصة بعدما كانا قد أفرغا المكان قبل أيّام. ولشدّة استيائهما، بدآ بِضربي وتركاني شبه غائبة عن الوعي.

وبعدما رحلا، جلستُ على الأرض أبكي كالطفلة حين سمعتُ طرقًا على الباب. وبالطبع ظننتُ أنّهما عادا ليقتلاني ولم أشأ فتح الباب. ولكنّني سمعتُ صوت جمال يقول لي إنّ بأماكني الفتح له. ورأيتُ باسم ووائل أمامي وجمال واقفًا وراءهما. وقال لي وائل:

ـ سامحينا يا أختي… نعدكِ بألاّ نعود… لن ترَينا مرّة أخرى ولن تسمعي عنّا.”

خلتُ نفسي أحلم لكثرة غرابة المشهد، خاصة أنّ باسم كان على شفير البكاء. ثم نظرا إلى جمال الذي قال لهما:

ـ هيّا! إرحلا مِن هنا! ولا تنسيا ما قلته لكما!”

وأسرعا بالرحيل وكأنّ شيطانًا يلحق بهما. نظرتُ إلى جمال كي يشرح لي كيف له أن يكون هنا بعدما رأيتُه يرحل بسيّارته بعيدًا. فقال لي:

ـ لقد نسيتِ وشاحكِ معي فرجعتُ لأعيده اليكِ… وحين وصلتُ المبنى، رأيتُ هذَين السّافلَين وهما يخرجان وعلِمتُ أنّهما كانا عندكِ… وهدّدتهما وأنا متأكّد أنّهما لن يرجعا أبدًا…

ـ شكرًا… شكرًا لأنّكَ موجود.

ـ أريد أن أكون معكِ طوال الوقت… هذه اللقاءات القصيرة لم تعد تكفيني… أريد أن أهتمّ بكِ، أن أدلّلك… أريد أن أتزوّجكِ وأجعل منكِ أسعد امرأة في العالم… هل تقبلين بي زوجًا لكِ؟”

لم أصدّق أذنيّ. كان جمال قد قال لي ما سمعتُه ورأيتُه في الأفلام وقرأتُه في الكتب. هل كان من الممكن أن يحصل لي كلّ ذلك بعدما قضيتُ حياتي محرومة مِن الحبّ مِن أقرب الناس إليّ؟

ورميتُ نفسي في ذراعَيه وصرختُ:” نعم!!!”. وقدّمنَي جمال إلى أهله قائلًا:” هذه عائلتكِ الجديدة… سيحبّونكِ وكأنّكِ ابنتهم.”

ومنذ ذلك الحين، وكما في القصص، عشنا سعيدَين وأنجبنا البنين والبنات.