نفّذَت إبنة زوجتي تهديدها بتخريب حياتي!

يوم تعرّفتُ إلى جنى، لم أكن أعلم أنّها كانت أرملة ولدَيها إبنة مراهقة، فكلّ الذي كنتُ أعرفه عنها كان أنّها سَحَرت قلبي وامتلكَته مِن أوّل لحظة. ووجود إبنة لم يُخِفني لأنّني كنتُ مدرّسًا وأعرف كيف أتعامل مع الأولاد على اختلاف أعمارهم. وحدها جنى كانت مهمومة لكثرة تعلّق سامية بأبيها وحزنها العميق على موته. وعندما التقيتُ بسامية، جَرَت الأمور على نحو جيّد واستطعتُ حينها التفكير بِجديّة بالزواج مِن حبيبتي.

وانتقلتُ للعيش معهما، أوّلاً لِصغر شقّتي وثانيًا بسبب مدرسة سامية، ولكنّنا خططنا أن نجد مكانًا آخرًا حالما تنتهي السنة الدراسيّة وتبدأ إبنة جنا بالذهاب إلى الجامعة.

وبدأت حياتي الجديدة، وكنتُ سعيدًا مع التي اختَارَها قلبي ومع ابنتها التي كانت تحترمني وتعمل جهدها كي لا تزعجني. ولكن كلّ شيء تغيّر بعد حوالي ثلاثة أشهر، عندما التقَيتُ بصديقة لي تدرّس في مدرسة سامية نفسها. وبالطبع سألتُها عنها وطلبتُ منها أن توصي بها مدرّسينها. ولكنّ بعد أيّام إتصَلَت بي تلك المدرّسة وقالت لي:

ـ عزيز… سامية لم تعد تأتي إلى المدرسة.

ـ ماذا تقصدين؟

ـ تكلّمتُ مع مدرّسيها وقالوا لي إنّها تركَت المدرسة بعد أن تزوّجَت أمّها وانتقَلَت إلى مدرسة ثانية.

ـ هذا لا يُعقل! لقد قبِلتُ أن أعيش في منزل زوجتي خصّيصًا كي لا تضطر ابنتها إلى الإنتقال إلى مؤسّسة جديدة، خاصة أنّها في سنتها الأخيرة! وإضافة إلى ذلك، أرى سامية تتحضّر كلّ صباح للذهاب إلى دروسها، وتخرج مِن البيت وشنطة الكتب على كتفيها لتعود إلى البيت وتبدأ بالدّرس!

ـ هل أنتَ متأكّد من أنّها تذهب فعلاً إلى المدرسة؟”

ولم أنقل لِجنى حديثي مع زميلتي مفضّلًا التأكّد بنفسي، خوفًا أن أشغل بالها بما قد يكون مجرّد التباس. لذا، وفي الصباح التالي، خرجتُ مِن البيت باكرًا وأوقفتُ سيّارتي بعيدًا وأنتظرتُ خروج ابنة زوجتي لألحق بها وأتأكّد مِن الخبر.

مشَت سامية باتجاه المدرسة، وبدأ قلبي يرتاح إلى أن غيَّرَت مسارها وانعطَفَت يسارًا لِتدخل حيًّا شعبيًا مكتظًّا بالناس والمحلّات.

 

وإذ بها تدخل مقهىً حقيرًا. أوقَفتُ سيّارتي ونزلتُ إلى المكان ولكنّني لم أرَها في الداخل. سألتُ النادل إن كان هناك مخرج خلفيّ ولكنّه أكّدَ لي أنّه لا يوجد سوى مدخل ومخرج واحد. عندها، رأيتُ بابًا يقف أمامه شاب ضخم ذو منظر مخيف. علمتُ أنّ سامية حتمًا في تلك الغرفة، ولكنّني فضّلتُ إعلام زوجتي بالموضوع قبل أن أتدخّل.

 

ولكن في طريقي إلى مدرستي، غيرّتُ رأيي وقرّرتُ محاولة التحدّث مع سامية أوّلاً كي لا تشعر بأنّني إشتكيتُ عنها لأمّها وأخلق عندها كرهًا لي وأفقد ثقتها.

 

لِذا، إنتظرتُ المساء حين كانت جنى في المطبخ تغسل أطباق العشاء، وجلستُ قرب سامية التي كانت تشاهد التلفاز وقلتُ لها بِصوت خافِت أنّني أعلم أنّها لا تذهب إلى المدرسة: فأجابَتني:

ـ وكيف علِمتَ بذلك؟

ـ لحِقتُ بكِ إلى ذلك المقهى.

ـ وما دخلكَ أنتَ؟ لستَ أبي!

ـ أعلم ذلك ولكنّني أهتمّ لأمركِ… لا يزال لديكِ بضعة أشهر ويحين وقت الذهاب إلى الجامعة وتأسيس مستقبلكِ… أريدكِ أن تصبحي إنسانة مثقّفة ومهمّة وأن يكون لديكِ حياة جميلة… لا أدري ما الذي تفعلينه في ذلك المكان البشع، ولكن مِن شكل الذي يحرس الباب أستطيع التكهنّ بأنّه ليس قانونيًّا… لا تخربي حياتكِ يا سامية.”

نظَرَت إليّ الفتاة بِسخرية وأجابَت:

ـ يا للكلام الجميل… أبهذه الطريقة تكلّمتَ مع أمّي وأقنعتَها بالزواج منكَ؟

ـ ما دخل ذلك بحديثنا؟

ـ أقصد أنّ كلامكَ لن يؤثّر بي… أنتَ نكرة… مجرّد زينة في بيتنا… لا تساوي شيئاّ مقارنة بأبي… سأعيش كما أريد ولا أسمح لكَ بالتدخّل بأموري! أفهِمت؟

ـ سأضطّر إلى إخبار أمّكِ.

ـ إن فعلتَ سأحوّل حياتكَ إلى جحيم! سأجعلكَ تندم على قدومكَ إلى هنا…سَ…

ـ كفى تهديدات! لستُ خائفًا مِن مراهقة! إن كلّمتُكِ برويّة فهذا لا يعني أنّني ضعيف بل أنّني أحاول التقرّب منكِ لمساعدتكِ”.

وتركتُ الفتاة لِوحدها ودخلتُ غرفة النوم مستاءً. ولكنّني لم أكن أتوقّع أبدًا أنّ ابنة زوجتي ستنفّذ تهديدها وبطريقة ماكرة لم أتصوّرها ممكنة.

كانت سامية قد قرّرَت أن تسبقَني وتشوّه صورتي عند زوجتي كي لا تصدّق هذه الأخيرة ما سأقوله لها. لِذا انتظرَت أن غادرتُ سامية البيت في الصباح لتقول لأمّها إنّني على علاقة مع إحدى مدرّساتها وأنّني أزورها باستمرار، وأنّها ذات نهار رأتني أقبّل تلك المرأة بشغف في المرآب. وعندما واجهَتني سامية بالذي رأته، أمرتُها بالصمت مهدّدًا بأنّني سأقول لأمّها إنّها تتعاطى المخدّرات سرًّا.

عندما سمِعَت جنى ذلك، بدأت بالبكاء وسألَت إبنتها إن كانت متأكّدة مِن الذي تقوله، فأجابَتها:

ـ بالطبع يا ماما… إنّها أمور خطرة ولا يُمكنني اختلاقها وأذيّتكِ هكذا… هذا الرجل سيّء ولم يكن يجدر به أن يدخل بيتنا، خاصة بعدما كان يعيش فيه رجل كأبي… تصوّري أنّه مستعدّ أن يُشوّه سمعتي كي لا أفضحه! ناهيكِ عن أنّه يخونكِ بشكل شبه علنيّ! هل ستسمحين له بأن يستمرّ بالذي يفعله؟

ـ بالطبع لا ولكن… أليس عليّ التأكّد مِن…

ـ تشكّكين بكلامي؟؟؟ أنا ابنتكِ أما هو فرجل غريب! هل تتصوّرين ولو لحظة أنّني أكذب عليكِ؟ هل سبقَ وكذبتُ عليكِ ولو مرّة؟

ـ لا، يا حبيبتي… أعذريني ولكنّ الصدمة كانت قويّة… لم أتصوّر أبدًا أنّ عزيز يخونني… لم يمضِ على زواجنا سوى بضعة أشهر.

ـ لا بدّ أنّه كان على علاقة بتلك المرأة قبل أن يعرفكِ… لا عليكِ يا أمّي… إرميه خارجًا وإيّاكِ أن تصدّقي كلمة واحدة سيقولها لكِ لِتبرير نفسه!”

وصدّقَتها زوجتي فقط لأنّها تصوّرَت أنّ ابنتها لا يُمكنها اختلاق كذبة بهذا الحجم، فهي كانت لا تزال ترى براءة الطفولة فيها.

وحين عدتُ مِن مدرستي، وجدتُ المنزل فارغًا، إذ كانت جنى قد أخَذَت ابنتها وذهبَت إلى أهلها، وتركَت لي رسالة تطلب فيها منّي أن أخرج مِن منزلها وألّا أعود، مضيفة أنّها علِمَت مِن سامية بموضوع خيانتي، وأخيرًا طلبَت منّي الطلاق.

عندها أدركتُ مدى أذيّة تلك المراهقة. ولكنّني لم آسف على محاولتي مساعدتها لأنّها لم تكن تعي أنّ ما تفعله يؤذيها ويؤذي الجميع.

تركتُ المنزل كما طلبَت منّي زوجتي أن أفعل، وعدتُ إلى شقّتي ولم أتصل بِجنى كي أدعَها تهدأ قليلًا، وكي تظنّ سامية أنّها ربِحَت المعركة.

وذات صباح بعد أن خرجَت سامية ذهبتُ أدقّ باب جنى. وعندما فتحَت لي ورأتني أمامها، حاولَت ‘غلاق الباب بِوجهي ولكنّني سحبتُها بِذراعها خارج البيت وأدخلتُها بالقوّة في سيّارتي. وبينما كانت تصرخ وتهدّد، وصلنا أمام مدرسة إبنتها. عندها قلتُ لها:” إذهبي وأسألي عن ابنتكِ… وأخبريني ما سيقولون لكِ عنها.” نظَرَت إليّ باستغراب وفعَلَت ما طلَبتُه منها. وعندما عادَت إلى السيّارة، كانت مذهولة بما اكتشفَته. وسألَتني:” أين هي؟”. أدَرتُ المحرّك وقدتُها إلى ذلك المقهى. وترجّلنا ودخلنا المكان وقصدنا الغرفة الخلفيّة. وحاولَ الحارس منعنا مِن الدخول، لكنّني لم أنسحب كما في المرّة السابقة، بل لكمتُه في معدته وأزَحتُه جانبًا. ورأينا سامية تتعاطى المخدّرات مع بعض الشبّان والشابّات. حملتُ سامية بين ذراعَيّ وأخذتُها إلى السيّارة وسط صراخ وبكاء أمّها.

وأدخلنا سامية إلى المستشفى ليُعالجوا إدمانها وأعتذَرَت منّي جنى على طردي. عندها قلتُ لها:

ـ مِن الآن فصاعدًا سنعيش في بيت أملكه أنا… ستثقين بي كليًّا وسنساعد سامية على الخروج مِن إدمانها الذي سببه هو حتمًا فقدان أبيها… سأهتمّ بكلّ شيء… ليس عليكِ سوى أن تحبّيني.”

وبعد فترة، بدأَت سامية العلاج النفسيّ، وأدركَت أنّ لجوءها إلى المخدّرات كان وسيلة لِنسيان غياب الذي كانت تحبّه أكثر مِن كلّ شيء، وأنّ الموت هو جزء مِن الحياة وفقدان شخص عزيز مؤلم ويجب التعامل مع هذا الألم بالمنطق والقبول، لتستطيع مواصلة حياتها والتعاطي بطريقة سليمة مع نفسها ومع الآخرين. وكان شفاؤها سهلًا نسبيًّا لأنّها كانت قد بدأَت التعاطي مِن فترة قصيرة.

وها نحن اليوم سعداء، خاصة مع قدوم ابنة ثانية إلى عائلتنا.