لماذا تخلّت أمَي عنّي؟

كنتُ في السابعة مِن عمري عندما قرّرَ أبويا إرسالي إلى المدينة للعمل، كما كانت تجري العادة عند الفقراء الذين كانوا يُبقون الصبيان معهم لمساعدتهم، ويتخلّصون مِن الفتيات كي لا يضطّروا لإطعامهنّ وإلباسهنّ. وكان لديّ أختٌ أكبر منّي، وسألتُ نفسي مرارًا لماذا لم يُرسلوها هي بدلاً منّي.

كانت أمّي هي التي أصرَّت على ترحيلي رغم رفض أبي. ولن أنسى أبدًا ما قالَته له:” لن تبقى هذه الفتاة هنا لحظة واحدة!”.

واصطحبتني الجارة معها إلى أرباب عملي الجدد. كنتُ قد أخذتُ معي عروستي وفستانًا وحذاءً لأنّني لم أكن أملك شيئًا آخرًا. وعملتُ كخادمة عند هؤلاء الناس. كانت الظروف جيّدة، ولم أعامَل بقساوة بل شعرتُ أنّني وسط عائلتي الفعليّة. وعندما بلغتُ السادسة عشرة قدّموا لي شابًّا وسيمًا إسمه عادل كان يعمل في مشغل ربّ عملي، وسألوني إن كنتُ أقبل به زوجًا لي. وأعجبَني عادل، ربما لأنّني لم أرَ سواه في حياتي، ولأنّه كان مجتهدًا وأمامه مستقبل واعد كما أكّدوا لي. وأرادَ عادل التعرّف إلى عائلتي، ولكنّني رفضتُ ذلك لأنّني لم أكن مستعدّة لرؤيتهم مجدّدًا، خاصةً بعدما قضيتُ حوالي العشر سنوات أحاول نسيانهم.

ورحلتُ مع زوجي إلى حلب مسقط رأسه، بعد أن أرسلتُ خبر سفري إلى أهلي، مع أنّني كنتُ متأكّدة من أنّهم لن يُحاولوا الإتصال بي بأيّة طريقة بعد أن رموني إلى المجهول. فلم اسمع منهم ولو مرّة ولم يُحاولوا معرفة وضعي في ذلك البيت. ولكن ضمنيًّا كنتُ أحلم بأن يتذكرّوني وأن يجدوني ويسترجعوني.

ومرَّت السنون بهدوء، وأستطيع القول إنّني كنتُ سعيدة. لم أعمل في المنازل، بل كنتُ اساعد زوجي في قطعة الأرض التي كان يملكها. وبعد أن زرعناها بدأنا بِبيع محصولنا في الأسواق. ومع الوقت، إستطعنا شراء قطعة أرض ثانية ومِن ثمّ ثالثة. وكانوا على حق: عادل كان فعلاً رجلاً طموحًا لا يُخيفه العمل والتعب.

وسرعان ما أصبحتُ أحوالنا جيّدة، وأنجبتُ ثلاثة أولاد وأقسمتُ أنّني لن أدَع شيئًا أو أحدًا يُفرّق بيني وبينهم. وكان صغاري يسألوني دائمًا عن عائلتي وعن طفولتي التي كتمتُها عنهم كي لا يظنّوا أنّني قد أتخلّى عنهم يومًا كما فعَلَ أهلي بي.

وفي ذات يوم، سمعتُ قرعًا على الباب ووجدتُ امرأة واقفة أمامي. شعرتُ أنّ ملامحها مألوفة، ولكنّني لم أستطع التعرّف إليها. كانت عَينَاها مليئتين بالدموع ولم أفهم السبب حتى قالت لي:

ـ كم أنتِ جميلة…

ـ عذرًا سيّدتي… هل نعرف بعضنا؟

ـ أنا أمّكِ.”

ورمَت نفسها عليّ وعانقَتني، ولكنّني أزحتُها عنّي وحاولتُ رميها خارج المنزل ولكنّها دخَلت مجدّدًا قائلة:

ـ لن أرحل قبل أن تستمعي إليّ… لقد انتظرتُ هذه اللحظة لسنين.”

وجَلست على الأريكة وقالَت:

ـ أعلم أنّكِ تكرهينَني، ولكنّني ورغم اعتقادكِ بأنّني تخلّصتُ منكِ، لم أكفّ يومًا عن حبّكِ أو التفكير بكِ… لم أتخلّ عنكِ يا حبيبتي بل أنقذتكِ…

ـ لم أفهم قصدكِ… هل هذه محاولة لكسب عاطفتي؟

ـ لا… إسمعيني… لم نكن فقراء… ولو كانت تلك حالتنا لكنتُ بعتُ شعري وأسناني لإبقائكِ معي… لا… أنقذتكِ مِن أبيكِ… هذا الوحش!

ـ لا أصدّقكِ! أبي كان يُريدني أن أبقى، أنتِ التي بقيتِ مصرّة على أن أرحل! كان يُحبّني كثيرًا… كان يلعب معي طوال الوقت ويُداعبني… أمّا أنتِ فكنتِ تصرخين عليه كي يتركني.

ـ صحيح يا حبيبتي… كان يُريدكِ أن تبقي وأنا فعلتُ المستحيل لإنقاذكِ مِن مخالبه… دعيني أخبركِ… بدأ الأمر مع أختكِ الكبرى. لم ألاحظ الذي كان يجري وعندما فعلتُ كان الأوان قد فات. وعملتُ جهدي لأحميها مِن ذلك الشاذ، فكان يُبرحني ضربًا كلّما منعتُه مِن الإقتراب منها. كنتُ مستعدّة أن أتلقّى الضربات إن كان ذلك سيُبعده عن إبنتي. لم أعد أنام الليل، وكنتُ ابقيها بجانبي كي لا يلمسها. ولم أكن قادرة على إخبار أحد، فمَن سيُصدّق أنّ ذلك الرجل المسالم والمثقّف كان وحشاً ضارياً يتحرّش بابنته؟ فكرّتُ بالرحيل، ولكنّني لم أكن أعلم إلى أين أذهب وكيف سأهتمّ بأبنة ومِن ثم باثنتَين. لأنّني حملتُ بكِ ولم أكن قادرة على مراقبة ابنتَين وحمايتهما. وقرّرتُ إرسالكِ بعيدًا كي تحظي بفرصة العيش مِن دون عقد، على خلاف أختكِ المسكينة التي لن تنسى أبدًا ما فعلَه أبوها بها. كنتُ أعلم أنّكِ ستكرهينَني ولكنّ ذلك لم يكن شيئًا أمام الذي كان ينتظركِ إن بقيتِ. وهذا هو سبب إصراره على بقائكِ، ولكنّكِ كنتِ صغيرة آنذاك وفسّرتِ الأمر وكأنّه تعلّق أب بابنته. ولم أنجب مِن بعدكِ كي لا آتي له بِضحيّة أخرى… وطيلة فترة تواجدكِ عند هؤلاء الناس الذين اخترتُهم بنفسي، لم أنفكّ عن متابعة أخباركِ بدون أن تدري كي لا تقرّري العودة إلى البيت، على الأقل طالما هو على قيد الحياة.

ـ ماتَ… أليس كذلك؟ هذا سبب مجيئكِ اليوم؟

ـ أجل… مات وأنا هنا… واليوم دفنه ولم أرِد أن أكون موجودة في تلك المناسبة فلا أستطيع البكاء عليه، في حين أدعو عليه أن يحترق في نار جهنّم… لقد إنتظرتُ موته سنين طويلة، وركضتُ لأراكِ ولأشمّكِ وأقبّلكِ وآخذكِ بين ذراعيّ… يا ابنتي الجميلة!”

وتعانقنا مطوّلاً، وكان باستطاعتي معانقتها العمر بأسره! لم تتخلّ أمّي عنّي بل عاشَت مِن دوني لأجلي وعانَت لِحماية أختي.

وبعد دقائق عادَ أولادي مِن المدرسة فقلتُ لهم:

ـ تعالوا وتعرّفوا إلى جدّتكم… أفضل أمّ في الدنيا! هيّا قبّلوها!”

ـ لماذا تبكين يا أمّي؟

ـ أبكي مِن كثرة حبّي لها… أحيانًا ينمّ البكاء عن فرح عظيم لا تستطيع الكلمات التعبير عنه… أمّكم سعيدة… سعيدة جدًّا!”

وبقيَت أمّي عندنا شهراً بكامله، ومِن بعد ذلك ذهبنا جميعًا إلى بلدي حيث رأيتُ أختي لأوّل مرّة بعد سنين وأقربائي وأصدقائي القدامى.

وتعرّفَ زوجي أخيرًا على الذين عايشوني عندما كنتُ صغيرة. لم أعد بالنسبة إليه الإنسانة الغامضة التي حجَبَت عنه ماضيها، بل إمرأة أُعيدَت لها حياتها. والغريب في الأمر أنّني أصرَّيتُ على الذهاب إلى قبر أبي. كان عليّ أن أسأله عن سبب ما فعله بأختي وبي. كيف لأب أن يُؤذي ابنتَيه هكذا؟ هل كان مريضًا أم أنّ غريزته أعمَت حبّه الأبويّ لنا؟ هل كان عليّ كرهه أم الشفقة عليه؟ لم أحصل طبعًا على الأجوبة، فالأموات يأخذون معهم أسرارهم إلى حيث هم ذاهبون.

ولكنّني استطَعتُ إكمال حياتي بطريقة سليمة، وتغيّرَ فيّ كلّ شيء. فلَم أعد الفتاة المنبوذة بل أصبحت إمرأة واثقة مِن نفسها تحبّ الحياة والناس.

وماتَت أمّي بعد سنوات، وشعرتُ أنّني لم أقضِ معها الوقت الكافي للتعويض عن فترة فراقنا. وأخذتُ أختي لتعيش معنا لأنّها، وبسبب ما فعلَه أبي لها، لم تستطيع أن تحبّ رجلاً وأن ترتبط بأحد.

اليوم أصبحتُ جدّة بدوري، وحين أنظر إلى أحفادي أصلّي أن يُبعد الله عنهم الأذى وألاّ يمرّوا بِتجارب كالتي مرَرتُ بها. فبالرّغم مِن مصالحتي مع أمّي ومع نفسي، ما زال الجرح الذي خلّفه والدي يحفر في قلبي.

ممكن ان يعجبك ايضا .. المزيد من الكاتب